منتديات أحلامي الجميلة

لجميع انواع الصور والافلام وتفسير الاحلام
 
الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول
ندعو كل الزوار الذين وصلوا الينا عن اي طريق ان يتفضلوا بالتسجيل في المنتدى لنشعر ان معنا اخوة لنا واخوات يريدون الخير للمنتدى ويسعدنا ان نسمع اقتراحاتكم لتطوير المنتدى الى ما يعجب الجميع




شاطر|

تفاسيرالقرآن متعدد لسوره كاملا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل
انتقل الى الصفحة : 1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
الوردة الحمراء
ADMIN
avatar

الجنس : انثى
عدد المساهمات : 9471
نقاط : 11011
تاريخ التسجيل : 05/06/2016
العمر : 51

المشاركة رقم 1 موضوع: تفاسيرالقرآن متعدد لسوره كاملا 2018-03-25, 9:58 am

تفاسيرالقرآن متعدد  لسوره كاملا
ونبدأ بالتفسير الميسر لسورة الفاتحة 

سورة الفاتحة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 1 )
سورة الفاتحة سميت هذه السورة بالفاتحة; لأنه يفتتح بها القرآن العظيم, وتسمى المثاني; لأنها تقرأ في كل ركعة, ولها أسماء أخر. أبتدئ قراءة القرآن باسم الله مستعينا به, ( اللهِ ) علم على الرب - تبارك وتعالى- المعبود بحق دون سواه, وهو أخص أسماء الله تعالى, ولا يسمى به غيره سبحانه. ( الرَّحْمَنِ ) ذي الرحمة العامة الذي وسعت رحمته جميع الخلق, ( الرَّحِيمِ ) بالمؤمنين, وهما اسمان من أسمائه تعالى، يتضمنان إثبات صفة الرحمة لله تعالى كما يليق بجلاله.
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 2 )
( الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ ) الثناء على الله بصفاته التي كلُّها أوصاف كمال, وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، وفي ضمنه أَمْرٌ لعباده أن يحمدوه, فهو المستحق له وحده, وهو سبحانه المنشئ للخلق, القائم بأمورهم, المربي لجميع خلقه بنعمه, ولأوليائه بالإيمان والعمل الصالح.
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 3 )
( الرَّحْمَنِ ) الذي وسعت رحمته جميع الخلق, ( الرَّحِيمِ ) , بالمؤمنين, وهما اسمان من أسماء الله تعالى.
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 )
وهو سبحانه وحده مالك يوم القيامة, وهو يوم الجزاء على الأعمال. وفي قراءة المسلم لهذه الآية في كل ركعة من صلواته تذكير له باليوم الآخر, وحثٌّ له على الاستعداد بالعمل الصالح, والكف عن المعاصي والسيئات.
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 )
إنا نخصك وحدك بالعبادة, ونستعين بك وحدك في جميع أمورنا, فالأمر كله بيدك, لا يملك منه أحد مثقال ذرة. وفي هذه الآية دليل على أن العبد لا يجوز له أن يصرف شيئًا من أنواع العبادة كالدعاء والاستغاثة والذبح والطواف إلا لله وحده, وفيها شفاء القلوب من داء التعلق بغير الله, ومن أمراض الرياء والعجب, والكبرياء.
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 )
دُلَّنا, وأرشدنا, ووفقنا إلى الطريق المستقيم, وثبتنا عليه حتى نلقاك, وهو الإسلام، الذي هو الطريق الواضح الموصل إلى رضوان الله وإلى جنته, الذي دلّ عليه خاتم رسله وأنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم, فلا سبيل إلى سعادة العبد إلا بالاستقامة عليه.
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ( 7 )
طريق الذين أنعمت عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين, فهم أهل الهداية والاستقامة, ولا تجعلنا ممن سلك طريق المغضوب عليهم, الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به, وهم اليهود, ومن كان على شاكلتهم, والضالين, وهم الذين لم يهتدوا, فضلوا الطريق, وهم النصارى, ومن اتبع سنتهم. وفي هذا الدعاء شفاء لقلب المسلم من مرض الجحود والجهل والضلال, ودلالة على أن أعظم نعمة على الإطلاق هي نعمة الإسلام, فمن كان أعرف للحق وأتبع له, كان أولى بالصراط المستقيم, ولا ريب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أولى الناس بذلك بعد الأنبياء عليهم السلام, فدلت الآية على فضلهم, وعظيم منزلتهم, رضي الله عنهم. ويستحب للقارئ أن يقول في الصلاة بعد قراءة الفاتحة: ( آمين ) , ومعناها: اللهم استجب, وليست آية من سورة الفاتحة باتفاق العلماء; ولهذا أجمعوا على عدم كتابتها في المصاحف.

  lol!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الوردة الحمراء
ADMIN
avatar

الجنس : انثى
عدد المساهمات : 9471
نقاط : 11011
تاريخ التسجيل : 05/06/2016
العمر : 51

المشاركة رقم 2 موضوع: رد: تفاسيرالقرآن متعدد لسوره كاملا 2018-03-25, 9:58 am

سورة البقرة
الم ( 1 )
هذه الحروف وغيرها من الحروف المقطَّعة في أوائل السور فيها إشارة إلى إعجاز القرآن; فقد وقع به تحدي المشركين, فعجزوا عن معارضته, وهو مركَّب من هذه الحروف التي تتكون منها لغة العرب. فدَلَّ عجز العرب عن الإتيان بمثله - مع أنهم أفصح الناس- على أن القرآن وحي من الله.
ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ( 2 )
ذلك القرآن هو الكتاب العظيم الذي لا شَكَّ أنه من عند الله, فلا يصح أن يرتاب فيه أحد لوضوحه, ينتفع به المتقون بالعلم النافع والعمل الصالح وهم الذين يخافون الله, ويتبعون أحكامه.
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 )
وهم الذين يُصَدِّقون بالغيب الذي لا تدركه حواسُّهم ولا عقولهم وحدها; لأنه لا يُعْرف إلا بوحي الله إلى رسله, مثل الإيمان بالملائكة, والجنة, والنار, وغير ذلك مما أخبر الله به أو أخبر به رسوله، ( والإيمان: كلمة جامعة للإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وتصديق الإقرار بالقول والعمل بالقلب واللسان والجوارح ) وهم مع تصديقهم بالغيب يحافظون على أداء الصلاة في مواقيتها أداءً صحيحًا وَفْق ما شرع الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم, ومما أعطيناهم من المال يخرجون صدقة أموالهم الواجبة والمستحبة.
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 4 )
والذين يُصَدِّقون بما أُنزل إليك أيها الرسول من القرآن, وبما أنزل إليك من الحكمة, وهي السنة, وبكل ما أُنزل مِن قبلك على الرسل من كتب, كالتوراة والإنجيل وغيرهما, ويُصَدِّقون بدار الحياة بعد الموت وما فيها من الحساب والجزاء، تصديقا بقلوبهم يظهر على ألسنتهم وجوارحهم وخص يوم الآخرة; لأن الإيمان به من أعظم البواعث على فعل الطاعات, واجتناب المحرمات, ومحاسبة النفس.
أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 )
أصحاب هذه الصفات يسيرون على نور من ربهم وبتوفيق مِن خالقهم وهاديهم, وهم الفائزون الذين أدركوا ما طلبوا, ونَجَوا من شرِّ ما منه هربوا
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 )
إن الذين جحدوا ما أُنزل إليك من ربك استكبارًا وطغيانًا, لن يقع منهم الإيمان, سواء أخوَّفتهم وحذرتهم من عذاب الله, أم تركت ذلك؛ لإصرارهم على باطلهم.
خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( 7 )
طبع الله على قلوب هؤلاء وعلى سمعهم, وجعل على أبصارهم غطاء; بسبب كفرهم وعنادهم مِن بعد ما تبيَّن لهم الحق, فلم يوفقهم للهدى, ولهم عذاب شديد في نار جهنم.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 )
ومن الناس فريق يتردد متحيِّرًا بين المؤمنين والكافرين, وهم المنافقون الذين يقولون بألسنتهم: صدَّقْنَا بالله وباليوم الآخر, وهم في باطنهم كاذبون لم يؤمنوا.
يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ( 9 )
يعتقدون بجهلهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا بإظهارهم الإيمان وإضمارهم الكفر, وما يخدعون إلا أنفسهم; لأن عاقبة خداعهم تعود عليهم. ومِن فرط جهلهم لا يُحِسُّون بذلك; لفساد قلوبهم.
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 )
في قلوبهم شكٌّ وفساد فابْتُلوا بالمعاصي الموجبة لعقوبتهم, فزادهم الله شكًا, ولهم عقوبة موجعة بسبب كذبهم ونفاقهم.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 )
وإذا نُصحوا ليكفُّوا عن الإفساد في الأرض بالكفر والمعاصي, وإفشاء أسرار المؤمنين, وموالاة الكافرين, قالوا كذبًا وجدالا إنما نحن أهل الإصلاح.
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ ( 12 )
إنَّ هذا الذي يفعلونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد, لكنهم بسبب جهلهم وعنادهم لا يُحِسُّون.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 )
وإذا قيل للمنافقين: آمِنُوا - مثل إيمان الصحابة، وهو الإيمان بالقلب واللسان والجوارح- , جادَلوا وقالوا: أَنُصَدِّق مثل تصديق ضعاف العقل والرأي, فنكون نحن وهم في السَّفَهِ سواء؟ فردَّ الله عليهم بأن السَّفَهَ مقصور عليهم, وهم لا يعلمون أن ما هم فيه هو الضلال والخسران.
وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ( 14 )
هؤلاء المنافقون إذا قابلوا المؤمنين قالوا: صدَّقنا بالإسلام مثلكم, وإذا انصرفوا وذهبوا إلى زعمائهم الكفرة المتمردين على الله أكَّدوا لهم أنهم على ملة الكفر لم يتركوها, وإنما كانوا يَسْتَخِفُّون بالمؤمنين, ويسخرون منهم.
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 15 )
الله يستهزئ بهم ويُمهلهم; ليزدادوا ضلالا وحَيْرة وترددًا, ويجازيهم على استهزائهم بالمؤمنين.
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 )
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الوردة الحمراء
ADMIN
avatar

الجنس : انثى
عدد المساهمات : 9471
نقاط : 11011
تاريخ التسجيل : 05/06/2016
العمر : 51

المشاركة رقم 3 موضوع: رد: تفاسيرالقرآن متعدد لسوره كاملا 2018-03-25, 9:59 am

أولئك المنافقون باعوا أنفسهم في صفقة خاسرة, فأخذوا الكفر, وتركوا الإيمان, فما كسبوا شيئًا, بل خَسِروا الهداية. وهذا هو الخسران المبين.
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 )
حال المنافقين الذين آمنوا - ظاهرًا لا باطنًا- برسالة محمد صلى الله عليه وسلم, ثم كفروا, فصاروا يتخبطون في ظلماتِ ضلالهم وهم لا يشعرون, ولا أمل لهم في الخروج منها, تُشْبه حالَ جماعة في ليلة مظلمة, وأوقد أحدهم نارًا عظيمة للدفء والإضاءة, فلما سطعت النار وأنارت ما حوله, انطفأت وأعتمت, فصار أصحابها في ظلمات لا يرون شيئًا, ولا يهتدون إلى طريق ولا مخرج.
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 )
هم صُمٌّ عن سماع الحق سماع تدبر, بُكْم عن النطق به, عُمْي عن إبصار نور الهداية; لذلك لا يستطيعون الرجوع إلى الإيمان الذي تركوه, واستعاضوا عنه بالضلال.
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ( 19 )
أو تُشْبه حالُ فريق آخر من المنافقين يظهر لهم الحق تارة, ويشكون فيه تارة أخرى, حالَ جماعة يمشون في العراء, فينصب عليهم مطر شديد, تصاحبه ظلمات بعضها فوق بعض, مع قصف الرعد, ولمعان البرق, والصواعق المحرقة, التي تجعلهم من شدة الهول يضعون أصابعهم في آذانهم; خوفًا من الهلاك. والله تعالى محيط بالكافرين لا يفوتونه ولا يعجزونه.
يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 )
يقارب البرق - من شدة لمعانه- أن يسلب أبصارهم, ومع ذلك فكلَّما أضاء لهم مشَوْا في ضوئه, وإذا ذهب أظلم الطريق عليهم فيقفون في أماكنهم. ولولا إمهال الله لهم لسلب سمعهم وأبصارهم, وهو قادر على ذلك في كل وقتٍ, إنه على كل شيء قدير.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 )
نداء من الله للبشر جميعًا: أن اعبدوا الله الذي ربَّاكم بنعمه, وخافوه ولا تخالفوا دينه; فقد أوجدكم من العدم, وأوجد الذين من قبلكم; لتكونوا من المتقين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 22 )
ربكم الذي جعل لكم الأرض بساطًا; لتسهل حياتكم عليها, والسماء محكمة البناء, وأنزل المطر من السحاب فأخرج لكم به من ألوان الثمرات وأنواع النبات رزقًا لكم, فلا تجعلوا لله نظراء في العبادة, وأنتم تعلمون تفرُّده بالخلق والرزق, واستحقاقِه العبودية.
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 23 )
وإن كنتم - أيها الكافرون المعاندون- في شَكٍّ من القرآن الذي نَزَّلناه على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم, وتزعمون أنه ليس من عند الله, فهاتوا سورة تماثل سورة من القرآن, واستعينوا بمن تقدرون عليه مِن أعوانكم, إن كنتم صادقين في دعواكم.
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ( 24 )
فإن عجَزتم الآن - وستعجزون مستقبلا لا محالة- فاتقوا النار بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وطاعة الله تعالى. هذه النار التي حَطَبُها الناس والحجارة, أُعِدَّتْ للكافرين بالله ورسله.
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 25 )
وأخبر - أيها الرسول- أهل الإيمان والعمل الصالح خبرًا يملؤهم سرورًا, بأن لهم في الآخرة حدائق عجيبة, تجري الأنهار تحت قصورها العالية وأشجارها الظليلة. كلَّما رزقهم الله فيها نوعًا من الفاكهة اللذيذة قالوا: قد رَزَقَنا الله هذا النوع من قبل, فإذا ذاقوه وجدوه شيئًا جديدًا في طعمه ولذته, وإن تشابه مع سابقه في اللون والمنظر والاسم. ولهم في الجنَّات زوجات مطهَّرات من كل ألوان الدنس الحسيِّ كالبول والحيض, والمعنوي كالكذب وسوء الخُلُق. وهم في الجنة ونعيمها دائمون, لا يموتون فيها ولا يخرجون منها.
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ ( 26 )
إن الله تعالى لا يستحيي من الحق أن يذكر شيئًا ما, قلَّ أو كثر, ولو كان تمثيلا بأصغر شيء, كالبعوضة والذباب ونحو ذلك, مما ضربه الله مثلا لِعَجْز كل ما يُعْبَد من دون الله. فأما المؤمنون فيعلمون حكمة الله في التمثيل بالصغير والكبير من خلقه, وأما الكفار فَيَسْخرون ويقولون: ما مراد الله مِن ضَرْب المثل بهذه الحشرات الحقيرة؟ ويجيبهم الله بأن المراد هو الاختبار, وتمييز المؤمن من الكافر; لذلك يصرف الله بهذا المثل ناسًا كثيرين عن الحق لسخريتهم منه, ويوفق به غيرهم إلى مزيد من الإيمان والهداية. والله تعالى لا يظلم أحدًا; لأنه لا يَصْرِف عن الحق إلا الخارجين عن طاعته.
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( 27 )
الذين ينكثون عهد الله الذي أخذه عليهم بالتوحيد والطاعة, وقد أكَّده بإرسال الرسل, وإنزال الكتب, ويخالفون دين الله كقطع الأرحام ونشر الفساد في الأرض, أولئك هم الخاسرون في الدنيا والآخرة.
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 28 )
كيف تنكرون - أيُّها المشركون- وحدانية الله تعالى, وتشركون به غيره في العبادة مع البرهان القاطع عليها في أنفسكم؟ فلقد كنتم أمواتًا فأوجدكم ونفخ فيكم الحياة, ثم يميتكم بعد انقضاء آجالكم التي حددها لكم, ثم يعيدكم أحياء يوم البعث, ثم إليه ترجعون للحساب والجزاء.
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 )
اللهُ وحده الذي خَلَق لأجلكم كل ما في الأرض من النِّعم التي تنتفعون بها, ثم قصد إلى خلق السموات, فسوَّاهنَّ سبع سموات, وهو بكل شيء عليم. فعِلْمُه - سبحانه- محيط بجميع ما خلق.
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ( 30 )
واذكر - أيها الرسول- للناس حين قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض قومًا يخلف بعضهم بعضًا لعمارتها. قالت: يا ربَّنا علِّمْنا وأَرْشِدْنا ما الحكمة في خلق هؤلاء, مع أنَّ من شأنهم الإفساد في الأرض واراقة الدماء ظلما وعدوانًا ونحن طوع أمرك, ننزِّهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك، ونمجِّدك بكل صفات الكمال والجلال؟ قال الله لهم: إني أعلم ما لا تعلمون من الحكمة البالغة في خلقهم.
وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 31 )
وبيانًا لفضل آدم عليه السلام علَّمه الله أسماء الأشياء كلها, ثم عرض مسمياتها على الملائكة قائلا لهم: أخبروني بأسماء هؤلاء الموجودات, إن كنتم صادقين في أنكم أَوْلى بالاستخلاف في الأرض منهم.
قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 32 )
قالت الملائكة: ننزِّهك يا ربَّنا, ليس لنا علم إلا ما علَّمتنا إياه. إنك أنت وحدك العليم بشئون خلقك, الحكيم في تدبيرك.
قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 33 )
قال الله: يا آدم أخبرهم بأسماء هذه الأشياء التي عجَزوا عن معرفتها. فلما أخبرهم آدم بها, قال الله للملائكة: لقد أخبرتكم أني أعلم ما خفي عنكم في السموات والأرض, وأعلم ما تظهرونه وما تخفونه.
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( 34 )
واذكر - أيها الرسول- للناس تكريم الله لآدم حين قال سبحانه للملائكة: اسجدوا لآدم إكرامًا له وإظهارًا لفضله, فأطاعوا جميعًا إلا إبليس امتنع عن السجود تكبرًا وحسدًا, فصار من الجاحدين بالله, العاصين لأمره.
وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 35 )
وقال الله: يا آدم اسكن أنت وزوجك حواء الجنة, وتمتعا بثمارها تمتعًا هنيئًا واسعًا في أي مكان تشاءان فيها, ولا تقربا هذه الشجرة حتى لا تقعا في المعصية, فتصيرا من المتجاوزين أمر الله.
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ( 36 )
فأوقعهما الشيطان في الخطيئة: بأنْ وسوس لهما حتى أكلا من الشجرة, فتسبب في إخراجهما من الجنة ونعيمها. وقال الله لهم: اهبطوا إلى الأرض, يعادي بعضكم بعضًا - أي آدم وحواء والشيطان- ولكم في الأرض استقرار وإقامة, وانتفاع بما فيها إلى وقت انتهاء آجالكم.
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 37 )
فتلقى آدمُ بالقبول كلماتٍ, ألهمه الله إياها توبة واستغفارًا, وهي قوله تعالى: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ فتاب الله عليه, وغفر له ذنبه إنه تعالى هو التواب لمن تاب مِن عباده, الرحيم بهم.
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 38 )
قال الله لهم: اهبطوا من الجنة جميعًا, وسيأتيكم أنتم وذرياتكم المتعاقبة ما فيه هدايتكم إلى الحق. فمن عمل بها فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 39 )
والذين جحدوا وكذبوا بآياتنا المتلوة ودلائل توحيدنا, أولئك الذين يلازمون النار, هم فيها خالدون, لا يخرجون منها.
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 40 )
يا ذرية يعقوب اذكروا نعمي الكثيرة عليكم, واشكروا لي, وأتموا وصيتي لكم: بأن تؤمنوا بكتبي ورسلي جميعًا, وتعملوا بشرائعي. فإن فعلتم ذلك أُتمم لكم ما وعدتكم به من الرحمة في الدنيا, والنجاة في الآخرة. وإيَّايَ - وحدي- فخافوني, واحذروا نقمتي إن نقضتم العهد, وكفرتم بي.
وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ( 41 )
وآمنوا- يا بني إسرائيل- بالقرآن الذي أنزَلْتُه على محمد نبي الله ورسوله, موافقًا لما تعلمونه من صحيح التوراة, ولا تكونوا أول فريق من أهل الكتاب يكفر به, ولا تستبدلوا بآياتي ثمنًا قليلا من حطام الدنيا الزائل, وإياي وحدي فاعملوا بطاعتي واتركوا معصيتي.
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 42 )
ولا تخلِطوا الحق الذي بيَّنته لكم بالباطل الذي افتريتموه, واحذروا كتمان الحق الصريح من صفة نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم التي في كتبكم, وأنتم تجدونها مكتوبة عندكم، فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم.
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 )
وادخلوا في دين الإسلام: بأن تقيموا الصلاة على الوجه الصحيح, كما جاء بها نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم, وتؤدوا الزكاة المفروضة على الوجه المشروع, وتكونوا مع الراكعين من أمته صلى الله عليه وسلم.
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 44 )
ما أقبح حالَكم وحالَ علمائكم حين تأمرون الناس بعمل الخيرات, وتتركون أنفسكم, فلا تأمرونها بالخير العظيم, وهو الإسلام, وأنتم تقرءون التوراة, التي فيها صفات محمد صلى الله عليه وسلم, ووجوب الإيمان به!! أفلا تستعملون عقولكم استعمالا صحيحًا؟
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ ( 45 )
واستعينوا في كل أموركم بالصبر بجميع أنواعه, وكذلك الصلاة. وإنها لشاقة إلا على الخاشعين.
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ( 46 )
الذين يخشون الله ويرجون ما عنده, ويوقنون أنهم ملاقو ربِّهم جلَّ وعلا بعد الموت, وأنهم إليه راجعون يوم القيامة للحساب والجزاء.
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ( 47 )
يا ذرية يعقوب تذكَّروا نعمي الكثيرة عليكم, واشكروا لي عليها, وتذكروا أني فَضَّلْتكم على عالَمي زمانكم بكثرة الأنبياء, والكتب المنزَّلة كالتوراة والإنجيل.
وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 48 )
وخافوا يوم القيامة, يوم لا يغني أحد عن أحد شيئًا, ولا يقبل الله شفاعة في الكافرين, ولا يقبل منهم فدية, ولو كانت أموال الأرض جميعًا, ولا يملك أحد في هذا اليوم أن يتقدم لنصرتهم وإنقاذهم من العذاب.
وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 49 )
واذكروا نعمتنا عليكم حين أنقذناكم من بطش فرعون وأتباعه, وهم يُذيقونكم أشدَّ العذاب, فيُكثِرون مِن ذَبْح أبنائكم, وترك بناتكم للخدمة والامتهان. وفي ذلك اختبار لكم من ربكم, وفي إنجائكم منه نعمة عظيمة, تستوجب شكر الله تعالى في كل عصوركم وأجيالكم.
وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 50 )
واذكروا نعمتنا عليكم, حين فَصَلْنا بسببكم البحر, وجعلنا فيه طرقًا يابسةً, فعبرتم, وأنقذناكم من فرعون وجنوده, ومن الهلاك في الماء. فلما دخل فرعون وجنوده طرقكم أهلكناهم في الماء أمام أعينكم.
وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ( 51 )
واذكروا نعمتنا عليكم: حين واعدنا موسى أربعين ليلة لإنزال التوراة هدايةً ونورًا لكم, فإذا بكم تنتهزون فرصة غيابه هذه المدة القليلة, وتجعلون العجل الذي صنعتموه بأيديكم معبودًا لكم من دون الله - وهذا أشنع الكفر بالله- وأنتم ظالمون باتخاذكم العجل إلهًا.
ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 52 )
ثمَّ تجاوزنا عن هذه الفعلة المنكرة, وقَبِلْنَا توبتكم بعد عودة موسى; رجاءَ أن تشكروا الله على نعمه وأفضاله, ولا تتمادوا في الكفر والطغيان.
وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 53 )
واذكروا نعمتنا عليكم حين أعطينا موسى الكتاب الفارق بين الحق والباطل - وهو التوراة- ; لكي تهتدوا من الضلالة.
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 54 )
واذكروا نعمتنا عليكم حين قال موسى لقومه: إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل إلهًا, فتوبوا إلى خالقكم: بأن يَقْتل بعضكم بعضًا, وهذا خير لكم عند خالقكم من الخلود الأبدي في النار, فامتثلتم ذلك, فمنَّ الله عليكم بقَبول توبتكم. إنه تعالى هو التواب لمن تاب مِن عباده, الرحيم بهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الوردة الحمراء
ADMIN
avatar

الجنس : انثى
عدد المساهمات : 9471
نقاط : 11011
تاريخ التسجيل : 05/06/2016
العمر : 51

المشاركة رقم 4 موضوع: رد: تفاسيرالقرآن متعدد لسوره كاملا 2018-03-25, 9:59 am

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 55 )
واذكروا إذ قلتم: يا موسى لن نصدقك في أن الكلام الذي نسمعه منك هو كلام الله, حتى نرى الله عِيَانًا, فنزلت نار من السماء رأيتموها بأعينكم, فقَتَلَتْكم بسبب ذنوبكم, وجُرْأتكم على الله تعالى.
ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 56 )
ثم أحييناكم مِن بعد موتكم بالصاعقة; لتشكروا نعمة الله عليكم, فهذا الموت عقوبة لهم, ثم بعثهم الله لاستيفاء آجالهم.
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 57 )
واذكروا نعمتنا عليكم حين كنتم تتيهون في الأرض; إذ جعلنا السحاب مظللا عليكم من حَرِّ الشمس, وأنزلنا عليكم المنَّ, وهو شيء يشبه الصَّمغ طعمه كالعسل, وأنزلنا عليكم السَّلوى وهو طير يشبه السُّمانَى, وقلنا لكم: كلوا من طيِّبات ما رزقناكم, ولا تخالفوا دينكم, فلم تمتثلوا. وما ظلمونا بكفران النعم, ولكن كانوا أنفسهم يظلمون; لأن عاقبة الظلم عائدة عليهم.
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( 58 )
واذكروا نعمتنا عليكم حين قلنا: ادخلوا مدينة « بيت المقدس » فكلوا من طيباتها في أي مكان منها أكلا هنيئًا, وكونوا في دخولكم خاضعين لله, ذليلين له, وقولوا: ربَّنا ضَعْ عنَّا ذنوبنا, نستجب لكم ونعف ونسترها عليكم, وسنزيد المحسنين بأعمالهم خيرًا وثوابًا.
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ( 59 )
فبدَّل الجائرون الضالون من بني إسرائيل قول الله, وحرَّفوا القول والفعل جميعًا, إذ دخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة, واستهزءوا بدين الله. فأنزل الله عليهم عذابًا من السماء; بسبب تمردهم وخروجهم عن طاعة الله.
وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 60 )
واذكروا نعمتنا عليكم - وأنتم عطاش في التِّيْه- حين دعانا موسى - بضراعة- أن نسقي قومه, فقلنا: اضرب بعصاك الحجر, فضرب, فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا, بعدد القبائل, مع إعلام كل قبيلة بالعين الخاصة بها حتى لا يتنازعوا. وقلنا لهم: كلوا واشربوا من رزق الله, ولا تسعوا في الأرض مفسدين.
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ( 61 )
واذكروا حين أنزلنا عليكم الطعام الحلو, والطير الشهي, فبطِرتم النعمة كعادتكم, وأصابكم الضيق والملل, فقلتم: يا موسى لن نصبر على طعام ثابت لا يتغير مع الأيام, فادع لنا ربك يخرج لنا من نبات الأرض طعامًا من البقول والخُضَر, والقثاء والحبوب التي تؤكل, والعدس, والبصل. قال موسى - مستنكرًا عليهم- : أتطلبون هذه الأطعمة التي هي أقل قدرًا, وتتركون هذا الرزق النافع الذي اختاره الله لكم؟ اهبطوا من هذه البادية إلى أي مدينة, تجدوا ما اشتهيتم كثيرًا في الحقول والأسواق. ولما هبطوا تبيَّن لهم أنهم يُقَدِّمون اختيارهم - في كل موطن- على اختيار الله, ويُؤْثِرون شهواتهم على ما اختاره الله لهم; لذلك لزمتهم صِفَةُ الذل وفقر النفوس, وانصرفوا ورجعوا بغضب من الله; لإعراضهم عن دين الله, ولأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين ظلمًا وعدوانًا; وذلك بسبب عصيانهم وتجاوزهم حدود ربهم.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 )
إن المؤمنين من هذه الأمة, الذين صدَّقوا بالله ورسله, وعملوا بشرعه, والذين كانوا قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من الأمم السالفة من اليهود, والنصارى, والصابئين- وهم قوم باقون على فطرتهم, ولا دين مقرر لهم يتبعونه- هؤلاء جميعًا إذا صدَّقوا بالله تصديقًا صحيحًا خالصًا, وبيوم البعث والجزاء, وعملوا عملا مرضيًا عند الله, فثوابهم ثابت لهم عند ربهم, ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا. وأما بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم خاتمًا للنبيين والمرسلين إلى الناس كافة, فلا يقبل الله من أحد دينًا غير ما جاء به, وهو الإسلام.
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 63 )
واذكروا - يا بني إسرائيل- حين أَخَذْنا العهد المؤكَّد منكم بالإيمان بالله وإفراده بالعبادة, ورفعنا جبل الطور فوقكم, وقلنا لكم: خذوا الكتاب الذي أعطيناكم بجدٍ واجتهاد واحفظوه, وإلا أطبقنا عليكم الجبل، ولا تنسوا التوراة قولا وعملا كي تتقوني وتخافوا عقابي.
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 64 )
ثم خالفتم وعصيتم مرة أخرى, بعد أَخْذِ الميثاق ورَفْع الجبل كشأنكم دائمًا. فلولا فَضْلُ الله عليكم ورحمته بالتوبة, والتجاوز عن خطاياكم, لصرتم من الخاسرين في الدنيا والآخرة.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ( 65 )
ولقد علمتم - يا معشر اليهود- ما حلَّ من البأس بأسلافكم من أهل القرية التي عصت الله، فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت، فاحتالوا لاصطياد السمك في يوم السبت ، بوضع الشِّباك وحفر البِرَك، ثم اصطادوا السمك يوم الأحد حيلة إلى المحرم، فلما فعلوا ذلك، مسخهم الله قردة منبوذين.
فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 66 )
فجعلنا هذه القرية عبرة لمن بحضرتها من القرى, يبلغهم خبرها وما حلَّ بها, وعبرة لمن يعمل بعدها مثل تلك الذُّنوب, وجعلناها تذكرة للصالحين; ليعلموا أنهم على الحق, فيثبتوا عليه.
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ( 67 )
واذكروا يا بني إسرائيل جناية أسلافكم, وكثرة تعنتهم وجدالهم لموسى عليه الصلاة والسلام, حين قال لهم: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة, فقالوا - مستكبرين- : أتجعلنا موضعًا للسخرية والاستخفاف؟ فردَّ عليهم موسى بقوله: أستجير بالله أن أكون من المستهزئين.
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ( 68 )
قالوا: ادع لنا ربَّك يوضح لنا صفة هذه البقرة, فأجابهم: إن الله يقول لكم: صفتها ألا تكون مسنَّة هَرِمة, ولا صغيرة فَتِيَّة, وإنما هي متوسطة بينهما, فسارِعوا إلى امتثال أمر ربكم.
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ( 69 )
فعادوا إلى جدالهم قائلين: ادع لنا ربك يوضح لنا لونها. قال: إنه يقول: إنها بقرة صفراء شديدة الصُّفْرة, تَسُرُّ مَن ينظر إليها.
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ( 70 )
قال بنو إسرائيل لموسى: ادع لنا ربك يوضح لنا صفات أخرى غير ما سبق; لأن البقر - بهذه الصفات- كثير فاشْتَبَهَ علينا ماذا نختار؟ وإننا - إن شاء الله- لمهتدون إلى البقرة المأمور بذبحها.
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ( 71 )
قال لهم موسى: إن الله يقول: إنها بقرة غير مذللة للعمل في حراثة الأرض للزراعة, وغير معدة للسقي من الساقية, وخالية من العيوب جميعها, وليس فيها علامة من لون غير لون جلدها. قالوا: الآن جئت بحقيقة وصف البقرة, فاضطروا إلى ذبحها بعد طول المراوغة, وقد قاربوا ألا يفعلوا ذلك لعنادهم. وهكذا شددوا فشدَّد الله عليهم.
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 72 )
واذكروا إذ قتلتم نفسًا فتنازعتم بشأنها, كلٌّ يدفع عن نفسه تهمة القتل, والله مخرج ما كنتم تخفون مِن قَتْل القتيل.
فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 73 )
فقلنا: اضربوا القتيل بجزء من هذه البقرة المذبوحة, فإن الله سيبعثه حيًا, ويخبركم عن قاتله. فضربوه ببعضها فأحياه الله وأخبر بقاتله. كذلك يُحيي الله الموتى يوم القيامة, ويريكم- يا بني إسرائيل- معجزاته الدالة على كمال قدرته تعالى; لكي تتفكروا بعقولكم, فتمتنعوا عن معاصيه.
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 74 )
ولكنكم لم تنتفعوا بذلك; إذ بعد كل هذه المعجزات الخارقة اشتدت قلوبكم وغلظت, فلم يَنْفُذ إليها خير, ولم تَلِنْ أمام الآيات الباهرة التي أريتكموها, حتى صارت قلوبكم مثل الحجارة الصمَّاء, بل هي أشد منها غلظة; لأن من الحجارة ما يتسع وينفرج حتى تنصبَّ منه المياه صبًا, فتصير أنهارًا جاريةً, ومن الحجارة ما يتصدع فينشق, فتخرج منه العيون والينابيع, ومن الحجارة ما يسقط من أعالي الجبال مِن خشية الله تعالى وتعظيمه. وما الله بغافل عما تعملون.
أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 75 )
أيها المسلمون أنسيتم أفعال بني إسرائيل, فطمعت نفوسكم أن يصدِّق اليهودُ بدينكم؟ وقد كان علماؤهم يسمعون كلام الله من التوراة, ثم يحرفونه بِصَرْفِه إلى غير معناه الصحيح بعد ما عقلوا حقيقته, أو بتحريف ألفاظه, وهم يعلمون أنهم يحرفون كلام رب العالمين عمدًا وكذبًا.
وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 76 )
هؤلاء اليهود إذا لقوا الذين آمنوا قالوا بلسانهم: آمنَّا بدينكم ورسولكم المبشَّر به في التوراة, وإذا خلا بعض هؤلاء المنافقين من اليهود إلى بعض قالوا في إنكار: أتحدِّثون المؤمنين بما بيَّن الله لكم في التوراة من أمر محمد; لتكون لهم الحجة عليكم عند ربكم يوم القيامة؟ أفلا تفقهون فتحذروا؟
أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ( 77 )
أيفعلون كلَّ هذه الجرائم, ولا يعلمون أن الله يعلم جميع ما يخفونه وما يظهرونه؟
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ ( 78 )
ومن اليهود جماعة يجهلون القراءة والكتابة, ولا يعلمون التوراة وما فيها من صفات نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم, وما عندهم من ذلك إلا أكاذيبُ وظنون فاسدة.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ( 79 )
فهلاك ووعيد شديد لأحبار السوء من اليهود الذين يكتبون الكتاب بأيديهم, ثم يقولون: هذا من عند الله وهو مخالف لما أنزل الله على نبيِّه موسى عليه الصلاة والسلام; ليأخذوا في مقابل هذا عرض الدنيا. فلهم عقوبة مهلكة بسبب كتابتهم هذا الباطل بأيديهم, ولهم عقوبة مهلكة بسبب ما يأخذونه في المقابل من المال الحرام, كالرشوة وغيرها.
وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ( 80 )
وقال بنو إسرائيل: لن تصيبنا النار في الآخرة إلا أيامًا قليلة العدد. قل لهم - أيها الرسول مبطلا دعواهم- : أعندكم عهد من الله بهذا, فإن الله لا يخلف عهده؟ بل إنكم تقولون على الله ما لا تعلمون بافترائكم الكذب.
بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 81 )
فحُكْمُ الله ثابت: أن من ارتكب الآثام حتى جَرَّته إلى الكفر, واستولت عليه ذنوبه مِن جميع جوانبه وهذا لا يكون إلا فيمن أشرك بالله, فالمشركون والكفار هم الذين يلازمون نار جهنم ملازمة دائمةً لا تنقطع.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 82 )
وحكم الله الثابتُ في مقابل هذا: أنَّ الذين صدَّقوا بالله ورسله تصديقًا خالصًا, وعملوا الأعمال المتفقة مع شريعة الله التي أوحاها إلى رسله, هؤلاء يلازمون الجنة في الآخرة ملازمةً دائمةً لا تنقطع.
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ( 83 )
واذكروا يا بني إسرائيل حين أخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا: بأن تعبدوا الله وحده لا شريك له, وأن تحسنوا للوالدين, وللأقربين, وللأولاد الذين مات آباؤهم وهم دون بلوغ الحلم, وللمساكين, وأن تقولوا للناس أطيب الكلام, مع أداء الصلاة وإيتاء الزكاة, ثم أَعْرَضْتم ونقضتم العهد - إلا قليلا منكم ثبت عليه- وأنتم مستمرون في إعراضكم.
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ( 84 )
واذكروا - يا بني إسرائيل- حين أَخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا في التوراة: يحرم سفك بعضكم دم بعض, وإخراج بعضكم بعضًا من دياركم, ثم اعترفتم بذلك, وأنتم تشهدون على صحته.
ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 85 )
ثم أنتم يا هؤلاء يقتل بعضكم بعضًا, ويُخرج بعضكم بعضًا من ديارهم, ويَتَقَوَّى كل فريق منكم على إخوانه بالأعداء بغيًا وعدوانًا. وأن يأتوكم أسارى في يد الأعداء سعيتم في تحريرهم من الأسر, بدفع الفدية, مع أنه محرم عليكم إخراجهم من ديارهم. ما أقبح ما تفعلون حين تؤمنون ببعض أحكام التوراة وتكفرون ببعضها! فليس جزاء مَن يفعل ذلك منكم إلا ذُلا وفضيحة في الدنيا. ويوم القيامة يردُّهم الله إلى أفظع العذاب في النار. وما الله بغافل عما تعملون.
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 86 )
أولئك هم الذين آثروا الحياة الدنيا على الآخرة, فلا يخفف عنهم العذاب, وليس لهم ناصر ينصرهم مِن عذاب الله.
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ( 87 )
ولقد أعطينا موسى التوراة, وأتبعناه برسل من بني إسرائيل, وأعطينا عيسى ابن مريم المعجزات الواضحات, وقوَّيناه بجبريل عليه السلام. أفكلما جاءكم رسول بوحي من عند الله لا يوافق أهواءكم, استعليتم عليه, فكذَّبتم فريقًا وتقتلون فريقًا؟
وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ ( 88 )
وقال بنو إسرائيل لنبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم: قلوبنا مغطاة, لا يَنْفُذ إليها قولك. وليس الأمر كما ادَّعَوْا, بل قلوبهم ملعونة, مطبوع عليها, وهم مطرودون من رحمة الله بسبب جحودهم, فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلا لا ينفعهم.
وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ( 89 )
وحين جاءهم القرأن من عند الله مصدقا لما معهم من التوراة جحدوه, وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم, وكانوا قبل بعثته يستنصرون به على مشركي العرب, ويقولون: قَرُبَ مبعث نبيِّ آخرِ الزمان, وسنتبعه ونقاتلكم معه. فلمَّا جاءهم الرسول الذي عرفوا صفاتِه وصِدْقَه كفروا به وكذبوه. فلعنةُ الله على كل مَن كفر بنبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم, وكتابه الذي أوحاه الله إليه.
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ( 90 )
قَبُحَ ما اختاره بنو إسرائيل لأنفسهم; إذ استبدلوا الكفر بالإيمان ظلمًا وحسدًا لإنزال الله من فضله القرآن على نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم, فرجعوا بغضب من الله عليهم بسبب جحودهم بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم, بعد غضبه عليهم بسبب تحريفهم التوراة. وللجاحدين نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم عذابٌ يذلُّهم ويخزيهم.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 91 )
وإذا قال بعض المسلمين لليهود: صدِّقوا بما أنزل الله من القرآن, قالوا: نحن نصدِّق بما أنزل الله على أنبيائنا, ويجحدون ما أنزل الله بعد ذلك, وهو الحق مصدقًا لما معهم. فلو كانوا يؤمنون بكتبهم حقًا لآمنوا بالقرآن الذي صدَّقها. قل لهم - يا محمد- : إن كنتم مؤمنين بما أنزل الله عليكم, فلماذا قتلتم أنبياء الله مِن قبل؟
وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ( 92 )
ولقد جاءكم نبي الله موسى بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقه, كالطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع, وغير ذلك مما ذكره الله في القرآن العظيم, ومع ذلك اتخذتم العجل معبودًا, بعد ذهاب موسى إلى ميقات ربه, وأنتم متجاوزون حدود الله.
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 93 )
واذكروا حين أَخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا بقَبول ما جاءكم به موسى من التوراة, فنقضتم العهد, فرفعنا جبل الطور فوق رؤوسكم, وقلنا لكم: خذوا ما آتيناكم بجدٍّ, واسمعوا وأطيعوا, وإلا أسقطنا الجبل عليكم, فقلتم: سمعنا قولك وعصينا أمرك; لأن عبادة العجل قد امتزجت بقلوبكم بسبب تماديكم في الكفر. قل لهم - أيها الرسول- : قَبُحَ ما يأمركم به إيمانكم من الكفر والضلال, إن كنتم مصدِّقين بما أنزل الله عليكم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الوردة الحمراء
ADMIN
avatar

الجنس : انثى
عدد المساهمات : 9471
نقاط : 11011
تاريخ التسجيل : 05/06/2016
العمر : 51

المشاركة رقم 5 موضوع: رد: تفاسيرالقرآن متعدد لسوره كاملا 2018-03-25, 9:59 am

قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 94 )
قل - أيها الرسول- لليهود الذين يدَّعون أن الجنة خاصة بهم; لزعمهم أنهم أولياء الله من دون الناس, وأنهم أبناؤه وأحباؤه: إن كان الأمر كذلك فادْعُوا على الكاذبين منكم أو من غيركم بالموت, إن كنتم صادقين في دعواكم هذه.
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 95 )
ولن يفعلوا ذلك أبدًا; لما يعرفونه من صدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومن كذبهم وافترائهم, وبسبب ما ارتكبوه من الكفر والعصيان, المؤَدِّيَيْن إلى حرمانهم من الجنة ودخول النار. والله تعالى عليم بالظالمين من عباده, وسيجازيهم على ذلك.
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ( 96 )
ولتعلمَنَّ - أيها الرسول- أن اليهود أشد الناس رغبة في طول الحياة أيًّا كانت هذه الحياة من الذلَّة والمهانة, بل تزيد رغبتهم في طول الحياة على رغبات المشركين. يتمنى اليهودي أن يعيش ألف سنة, ولا يُبْعده هذا العمر الطويل إن حصل من عذاب الله. والله تعالى لا يخفى عليه شيء من أعمالهم وسيجازيهم عليها بما يستحقون من العذاب.
قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 97 )
قل- أيها الرسول- لليهود حين قالوا: إن جبريل هو عدونا من الملائكة: من كان عدوًا لجبريل فإنه نزَّل القرآن على قلبك بإذن الله تعالى مصدِّقًا لما سبقه من كتب الله, وهاديًا إلى الحق, ومبشرًا للمصدِّقين به بكل خير في الدنيا والآخرة.
مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ( 98 )
من عادى الله وملائكته، ورسله من الملائكة أو البشر، وبخاصة المَلَكان جبريلُ وميكالُ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوهم، وميكال وليُّهم ، فأعلمهم الله أنه من عادى واحدًا منهما فقد عادى الآخر، وعادى الله أيضًا، فإن الله عدو للجاحدين ما أنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ ( 99 )
ولقد أنزلنا إليك- أيها الرسول- آيات بينات واضحات تدل على أنّك رسول من الله صدقا وحقا، وما ينكر تلك الآيات إلا الخارجون عن دين الله.
أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 100 )
ما أقبح حال بني إسرائيل في نقضهم للعهود!! فكلما عاهدوا عهدًا طرح ذلك العهد فريق منهم, ونقضوه, فتراهم يُبْرِمون العهد اليوم وينقضونه غدًا, بل أكثرهم لا يصدِّقون بما جاء به نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 101 )
ولما جاءهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن الموافق لما معهم من التوراة طرح فريق منهم كتاب الله, وجعلوه وراء ظهورهم, شأنهم شأن الجهال الذين لا يعلمون حقيقته.
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( 102 )
واتبع اليهود ما تُحَدِّث الشياطينُ به السحرةَ على عهد ملك سليمان بن داود. وما كفر سليمان وما تَعَلَّم السِّحر, ولكنَّ الشياطين هم الذين كفروا بالله حين علَّموا الناس السحر; إفسادًا لدينهم. وكذلك اتبع اليهود السِّحر الذي أُنزل على الملَكَين هاروت وماروت, بأرض « بابل » في « العراق » ; امتحانًا وابتلاء من الله لعباده, وما يعلِّم الملكان من أحد حتى ينصحاه ويحذِّراه من تعلم السحر, ويقولا له: لا تكفر بتعلم السِّحر وطاعة الشياطين. فيتعلم الناس من الملكين ما يُحْدِثون به الكراهية بين الزوجين حتى يتفرقا. ولا يستطيع السحرة أن يضروا به أحدًا إلا بإذن الله وقضائه. وما يتعلم السحرة إلا شرًا يضرهم ولا ينفعهم, وقد نقلته الشياطين إلى اليهود, فشاع فيهم حتى فضَّلوه على كتاب الله. ولقد علم اليهود أن من اختار السِّحر وترك الحق ما له في الآخرة من نصيب في الخير. ولبئس ما باعوا به أنفسهم من السحر والكفر عوضًا عن الإيمان ومتابعة الرسول, لو كان لهم عِلْمٌ يثمر العمل بما وُعِظوا به.
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( 103 )
ولو أن اليهود آمنوا وخافوا الله لأيقنوا أن ثواب الله خير لهم من السِّحر ومما اكتسبوه به, لو كانوا يعلمون ما يحصل بالإيمان والتقوى من الثواب والجزاء علما حقيقيا لآمنوا.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 104 )
يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا للرسول محمد صلى الله عليه وسلم: راعنا, أي: راعنا سمعك، فافهم عنا وأفهمنا; لأن اليهود كانوا يقولونها للنبي صلى الله عليه وسلم يلوون ألسنتهم بها, يقصدون سبَّه ونسبته إلى الرعونة, وقولوا- أيها المؤمنون- بدلا منها: انظرنا, أي انظر إلينا وتعهَّدْنا, وهي تؤدي المعنى المطلوب نفسه واسمعوا ما يتلى عليكم من كتاب ربكم وافهموه. وللجاحدين عذاب موجع.
مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 105 )
ما يحب الكفار من أهل الكتاب والمشركين أن يُنزَّل عليكم أدنى خير من ربكم قرآنًا أو علمًا, أو نصرًا أو بشارة. والله يختص برحمته مَن يشاء مِن عباده بالنبوة والرسالة. والله ذو العطاء الكثير الواسع.
مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 )
ما نبدِّل من آية أو نُزِلها من القلوب والأذهان نأت بأنفع لكم منها, أو نأت بمثلها في التكليف والثواب, ولكلٍ حكمة. ألم تعلم - أيها النبي- أنت وأمتك أن الله قادر لا يعجزه شيء؟
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 107 )
أما علمتَ - أيها النبي- أنت وأمتك أن الله تعالى هو المالك المتصرف في السموات والأرض؟ يفعل ما يشاء, ويحكم ما يريد, ويأمر عباده وينهاهم كيفما شاء, وعليهم الطاعة والقَبول. وليعلم من عصى أن ليس لأحد من دون الله من وليٍّ يتولاهم, ولا نصير يمنعهم من عذاب الله.
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ( 108 )
بل أتريدون- أيها الناس- أن تطلبوا من رسولكم محمد صلى الله عليه وسلم أشياء بقصد العناد والمكابرة, كما طُلِبَ مثل ذلك من موسى. علموا أن من يختر الكفر ويترك الإيمان فقد خرج عن صراط الله المستقيم إلى الجهل والضَّلال.
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 109 )
تمنى كثير من أهل الكتاب أن يرجعوكم بعد إيمانكم كفارًا كما كنتم من قبلُ تعبدون الأصنام; بسبب الحقد الذي امتلأت به نفوسهم من بعد ما تبيَّن لهم صدق نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به, فتجاوزوا عمَّا كان منهم من إساءة وخطأ, واصفحوا عن جهلهم, حتى يأتي الله بحكمه فيهم بقتالهم ( وقد جاء ووقع ) , وسيعاقبهم لسوء أفعالهم. إن الله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء.
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 110 )
واشتغلوا - أيها المؤمنون- بأداء الصلاة على وجهها الصحيح, وإعطاء الزكاة المفروضة. واعلموا أنَّ كل خير تقدمونه لأنفسكم تجدون ثوابه عند الله في الآخرة. إنه تعالى بصير بكل أعمالكم, وسيجازيكم عليها.
وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 111 )
ادَّعى كلٌّ من اليهود والنصارى أن الجنة خاصة بطائفته لا يدخلها غيرهم, تلك أوهامهم الفاسدة. قل لهم - أيها الرسول- : أحضروا دليلكم على صحة ما تدَّعون إن كنتم صادقين في دعواكم.
بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 112 )
ليس الأمر كما زعموا أنَّ الجنة تختص بطائفة دون غيرها, وإنما يدخل الجنَّة مَن أخلص لله وحده لا شريك له, وهو متبع للرسول محمد صلى الله عليه وسلم في كل أقواله وأعماله. فمن فعل ذلك فله ثواب عمله عند ربه في الآخرة, وهو دخول الجنة, وهم لا يخافون فيما يستقبلونه من أمر الآخرة, ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا.
وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 113 )
وقالت اليهود: ليست النصارى على شيء من الدين الصحيح, وكذلك قالت النصارى في اليهود وهم يقرؤون التوراة والإنجيل, وفيهما وجوب الإيمان بالأنبياء جميعًا. كذلك قال الذين لا يعلمون من مشركي العرب وغيرهم مثل قولهم, أي قالوا لكل ذي دين: لست على شيء, فالله يفصل بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه مِن أمر الدين, ويجازي كلا بعمله.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( 114 )
لا أحد أظلم من الذين منعوا ذِكْرَ الله في المساجد من إقام الصلاة, وتلاوة القرآن, ونحو ذلك, وجدُّوا في تخريبها بالهدم أو الإغلاق, أو بمنع المؤمنين منها. أولئك الظالمون ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا المساجد إلا على خوف ووجل من العقوبة, لهم بذلك صَغار وفضيحة في الدنيا, ولهم في الآخرة عذاب شديد.
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( 115 )
ولله جهتا شروق الشمس وغروبها وما بينهما, فهو مالك الأرض كلها. فأي جهة توجهتم إليها في الصلاة بأمر الله لكم فإنكم مبتغون وجهه, لم تخرجوا عن ملكه وطاعته. إن الله واسع الرحمة بعباده, عليم بأفعالهم, لا يغيب عنه منها شيء.
وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ( 116 )
وقالت اليهود والنصارى والمشركون: اتخذ الله لنفسه ولدًا, تنزَّه الله - سبحانه- عن هذا القول الباطل, بل كل مَن في السموات والأرض ملكه وعبيده, وهم جميعًا خاضعون له, مسخَّرون تحت تدبيره.
بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 117 )
والله تعالى هو خالق السموات والأرض على غير مثال سبق. وإذا قدَّر أمرًا وأراد كونه فإنما يقول له: « كن » فيكون.
وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 118 )
وقال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم لنبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل العناد: هلا يكلمنا الله مباشرة ليخبرنا أنك رسوله, أو تأتينا معجزة من الله تدل على صدقك. ومثل هذا القول قالته الأمم من قبلُ لرسلها عنادًا ومكابرة; بسبب تشابه قلوب السابقين واللاحقين في الكفر والضَّلال, قد أوضحنا الآيات للذين يصدِّقون تصديقًا جازمًا؛ لكونهم مؤمنين بالله تعالى، متَّبعين ما شرعه لهم.
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ( 119 )
إنا أرسلناك - أيها الرسول- بالدين الحق المؤيد بالحجج والمعجزات, فبلِّغه للناس مع تبشير المؤمنين بخيري الدنيا والآخرة, وتخويف المعاندين بما ينتظرهم من عذاب الله, ولست - بعد البلاغ- مسئولا عن كفر مَن كفر بك; فإنهم يدخلون النار يوم القيامة، ولا يخرجون منها.
وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 120 )
ولن ترضى عنك - أيها الرسول- اليهود ولا النصارى إلا إذا تركت دينك واتبعتَ دينهم. قل لهم: إن دين الإسلام هو الدين الصحيح. ولئن اتبعت أهواء هؤلاء بعد الذي جاءك من الوحي ما لك عند الله مِن وليٍّ ينفعك, ولا نصير ينصرك. هذا موجه إلى الأمّة عامة وإن كان خطابًا للنبي صلى الله عليه وسلم.
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( 121 )
الذين أعطيناهم الكتاب من اليهود والنصارى, يقرؤونه القراءة الصحيحة, ويتبعونه حق الاتباع, ويؤمنون بما جاء فيه من الإيمان برسل الله, ومنهم خاتمهم نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم, ولا يحرفون ولا يبدِّلون ما جاء فيه. هؤلاء هم الذين يؤمنون بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وبما أنزل عليه, وأما الذين بدَّلوا بعض الكتاب وكتموا بعضه, فهؤلاء كفار بنبي الله محمد صلى الله عليه وسلم وبما أنزل عليه, ومن يكفر به فأولئك هم أشد الناس خسرانًا عند الله.
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ( 122 )
يا ذرية يعقوب اذكروا نعمي الكثيرة عليكم, وأني فَضَّلتكم على عالَمي زمانكم بكثرة أنبيائكم, وما أُنزل عليهم من الكتب.
وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 123 )
وخافوا أهوال يوم الحساب إذ لا تغني نفس عن نفس شيئًا, ولا يقبل الله منها فدية تنجيها من العذاب, ولا تنفعها وساطة, ولا أحد ينصرها.
وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( 124 )
واذكر- أيها النبي- حين اختبر الله إبراهيم بما شرع له من تكاليف, فأدَّاها وقام بها خير قيام. قال الله له: إني جاعلك قدوة للناس. قال إبراهيم: ربِّ اجعل بعض نسلي أئمة فضلا منك, فأجابه الله سبحانه أنه لا تحصل للظالمين الإمامةُ في الدين.
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( 125 )
واذكر - أيها النبي- حين جعلنا الكعبة مرجعًا للناس, يأتونه, ثم يرجعون إلى أهليهم, ثم يعودون إليه, ومجمعًا لهم في الحج والعمرة والطواف والصلاة, وأمنًا لهم, لا يُغِير عليهم عدو فيه. وقلنا: اتخِذوا من مقام إبراهيم مكانًا للصلاة فيه, وهو الحجر الذي وقف عليه إبراهيم عند بنائه الكعبة. وأوحينا إلى إبراهيم وابنه إسماعيل: أن طهِّرا بيتي من كل رجس ودنس; للمتعبدين فيه بالطواف حول الكعبة, أو الاعتكاف في المسجد, والصلاة فيه.
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 126 )
واذكر - أيها النبي- حين قال إبراهيم داعيًا: ربِّ اجعل « مكة » بلدًا آمنًا من الخوف, وارزق أهله من أنواع الثمرات, وخُصَّ بهذا الرزق مَن آمن منهم بالله واليوم الآخر. قال الله: ومن كفر منهم فأرزقه في الدنيا وأُمتعه متاعًا قليلا ثم أُلجئُه مرغمًا إلى عذاب النار. وبئس المرجع والمقام هذا المصير.
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 127 )
واذكر - أيها النبي- حين رفع إبراهيم وإسماعيل أسس الكعبة, وهما يدعوان الله في خشوع: ربنا تقبل منَّا صالح أعمالنا ودعاءنا, إنك أنت السميع لأقوال عبادك, العليم بأحوالهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الوردة الحمراء
ADMIN
avatar

الجنس : انثى
عدد المساهمات : 9471
نقاط : 11011
تاريخ التسجيل : 05/06/2016
العمر : 51

المشاركة رقم 6 موضوع: رد: تفاسيرالقرآن متعدد لسوره كاملا 2018-03-25, 10:00 am

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 128 )
ربنا واجعلنا ثابتَيْن على الإسلام, منقادَيْن لأحكامك, واجعل من ذريتنا أمة منقادة لك, بالإيمان, وبصِّرْنا بمعالم عبادتنا لك, وتجاوز عن ذنوبنا. إنك أنت كثير التوبة والرحمة لعبادك.
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 129 )
ربنا وابعث في هذه الأمة رسولا من ذرية إسماعيل يتلو عليهم آياتك ويعلمهم القرآن والسنة, ويطهرهم من الشرك وسوء الأخلاق. إنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليه شيء, الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها.
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 130 )
ولا أحد يُعرض عن دين إبراهيم - وهو الإسلام- إلا سفيه جاهل, ولقد اخترنا إبراهيم في الدنيا نبيًّا ورسولا وإنه في الآخرة لمن الصالحين الذين لهم أعلى الدرجات.
إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( 131 )
وسبب هذا الاختيار مسارعته للإسلام دون تردد, حين قال له ربه: أخلص نفسك لله منقادًا له. فاستجاب إبراهيم وقال: أسلمت لرب العالمين إخلاصًا وتوحيدًا ومحبة وإنابة.
وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 132 )
وحثَّ إبراهيمُ ويعقوبُ أبناءهما على الثبات على الإسلام قائلَيْن: يا أبناءنا إن الله اختار لكم هذا الدين- وهو دين الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم- فلا تفارقوه أيام حياتكم, ولا يأتكم الموت إلا وأنتم عليه.
أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 133 )
أكنتم أيها اليهود حاضرين حين جاء الموتُ يعقوبَ, إذ جمع أبناءه وسألهم ما تعبدون من بعد موتي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهًا واحدًا, ونحن له منقادون خاضعون.
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 134 )
تلك أُمَّة من أسلافكم قد مضَتْ, لهم أعمالهم, ولكم أعمَالكم, ولا تُسْألون عن أعمالهم, وهم لا يُسْألون عن أعمالكم, وكلٌّ سيجازى بما فعله, لا يؤاخذ أحد بذنب أحد, ولا ينفعُ أحدًا إلا إيمانُه وتقواه.
وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 135 )
وقالت اليهود لأمَّة محمد صلى الله عليه وسلم: ادخلوا في دين اليهودية تجدوا الهداية, وقالت النصارى لهم مثل ذلك. قل لهم - أيها الرسول- : بل الهداية أن نتبع- جميعًا- ملة إبراهيم, الذي مال عن كل دين باطل إلى دين الحق, وما كان من المشركين بالله تعالى.
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 136 )
قولوا - أيها المؤمنون- لهؤلاء اليهود والنَّصارى: صدَّقنا بالله الواحد المعبود بحق, وبما أنزل إلينا من القرآن الذي أوحاه الله إلى نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم, وما أنزل من الصحف إلى إبراهيم وابنيه إسماعيل وإسحاق, وإلى يعقوب والأسباط - وهم الأنبياء مِن ولد يعقوب الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة- وما أُعطي موسى من التوراة, وعيسى من الإنجيل, وما أُعطي الأنبياء جميعًا من وحي ربهم, لا نفرق بين أحد منهم في الإيمان, ونحن خاضعون لله بالطاعة والعبادة.
فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 137 )
فإنْ آمن الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم بمثل الذي آمنتم به, مما جاء به الرسول, فقد اهتدوا إلى الحق, وإن أعرضوا فإنما هم في خلاف شديد, فسيكفيك الله - أيها الرسول- شرَّهم وينصرك عليهم, وهو السميع لأقوالكم, العليم بأحوالكم.
صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ( 138 )
الزموا دين الله الذي فطركم عليه, فليس هناك أحسنُ مِن فطرة الله التي فطر الناس عليها, فالزموها وقولوا نحن خاضعون مطيعون لربنا في اتباعنا ملَّة إبراهيم.
قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ( 139 )
قل - أيها الرسول لأهل الكتاب- : أتجادلوننا في توحيد الله والإخلاص له, وهو رب العالمين جميعًا, لا يختص بقوم دون قوم, ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم, ونحن لله مخلصو العبادة والطَّاعة لا نشرك به شيئًا, ولا نعبد أحدًا غيره.
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 140 )
بل أتقولون مجادلين في الله: إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط- وهم الأنبياء الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة من ولد يعقوب- كانوا على دين اليهود أو النصارى؟ وهذا كذب; فقد بُعِثوا وماتوا قبل نزول التوراة والإنجيل. قل لهم - أيها الرسول- : أأنتم أعلم بدينهم أم الله تعالى؟ وقد أخبر في القرآن بأنهم كانوا حنفاء مسلمين, ولا أحد أظلم منكم حين تخفون شهادة ثابتة عندكم من الله تعالى, وتدَّعون خلافها افتراء على الله. وما الله بغافل عن شيء من أعمالكم, بل هو مُحْصٍ لها ومجازيكم عليها.
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 141 )
تلك أُمَّة من أسلافكم قد مضَتْ, لهم أعمالهم ولكم أعمالكم, ولا تُسْألون عن أعمالهم, وهم لا يُسْألون عن أعمالكم. وفي الآية قطع للتعلق بالمخلوقين, وعدم الاغترار بالانتساب إليهم, وأن العبرة بالإيمان بالله وعبادته وحده, واتباع رسله, وأن من كفر برسول منهم فقد كفر بسائر الرسل.
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 142 )
سيقول الجهال وضعاف العقول من اليهود وأمثالهم, في سخرية واعتراض: ما الذي صرف هؤلاء المسلمين عن قبلتهم التي كانوا يُصَلُّون إلى جهتها أول الإسلام; ( وهي « بيت المقدس » ) قل لهم - أيها الرسول- : المشرق والمغرب وما بينهما ملك لله, فليست جهة من الجهات خارجة عن ملكه, يهدي مَن يشاء من عباده إلى طريق الهداية القويم. وفي هذا إشعار بأن الشأن كله لله في امتثال أوامره, فحيثما وَجَّهَنا تَوَجَّهْنا.
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ( 143 )
وكما هديناكم - أيها المسلمون- إلى الطريق الصحيح في الدين, جعلناكم أمة خيارًا عدولا لتشهدوا على الأمم في الآخرة أن رسلهم بلَّغتهم رسالات ربهم, ويكون الرسول في الآخرة كذلك شهيدًا عليكم أنَّه بلَّغكم رسالة ربه. وما جعلنا - أيها الرسول- قبلة « بيت المقدس » التي كنت عليها, ثم صرفناك عنها إلى الكعبة بـ « مكة » , إلا ليظهر ما علمناه في الأزل؛ علما يتعلق به الثواب والعقاب لنميز مَن يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيث توجهت, ومَن هو ضعيف الإيمان فينقلب مرتدًا عن دينه لشكه ونفاقه. وإن هذه الحال التي هي تحول المسلم في صلاته من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة لثقيلة شاقة إلا على الذين هداهم ومنّ عليهم بالإيمان والتقوى وما كان الله ليضيع إيمانكم به واتباعكم لرسوله, ويبطل صلاتكم إلى القبلة السابقة. إنه سبحانه وتعالى بالناس لرءوف رحيم.
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 144 )
قد نرى تحوُّل وجهك - أيها الرسول- في جهة السماء, مرة بعد مرة; انتظارًا لنزول الوحي إليك في شأن القبلة, فلنصرفنك عن « بيت المقدس » إلى قبلة تحبها وترضاها, وهي وجهة المسجد الحرام بـ « مكة » , فولِّ وجهك إليها. وفي أي مكان كنتم - أيها المسلمون- وأردتم الصلاة فتوجهوا نحو المسجد الحرام. وإن الذين أعطاهم الله علم الكتاب من اليهود والنصارى لَيعلمون أن تحويلك إلى الكعبة هو الحق الثابت في كتبهم. وما الله بغافل عما يعمل هؤلاء المعترضون المشككون, وسيجازيهم على ذلك.
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 145 )
ولئن جئت - أيها الرسول- الذين أُعطوا التوراة والإنجيل بكل حجة وبرهان على أن توجُّهك إلى الكعبة في الصلاة هو الحق من عند الله, ما تبعوا قبلتك عنادًا واستكبارًا, وما أنت بتابع قبلتهم مرة أخرى, وما بعضهم بتابع قبلة بعض. ولئن اتبعت أهواءهم في شأن القبلة وغيرها بعد ما جاءك من العلم بأنك على الحق وهم على الباطل, إنك حينئذ لمن الظالمين لأنفسهم. وهذا خطاب لجميع الأمة وهو تهديد ووعيد لمن يتبع أهواء المخالفين لشريعة الإسلام.
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 )
الذين أعطيناهم التوراة والإنجيل من أحبار اليهود وعلماء النصارى يعرفون أنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله بأوصافه المذكورة في كتبهم, مثل معرفتهم بأبنائهم. وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون صِدْقه, وثبوت أوصافه.
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 147 )
الذي أنزل إليك - أيها النبي- هو الحق من ربك, فلا تكونن من الشاكين فيه. وهذا وإن كان خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم فهو موجه للأمة.
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 148 )
ولكل أمة من الأمم قبلة يتوجَّه إليها كل واحد منها في صلاته, فبادروا - أيها المؤمنون- متسابقين إلى فِعْل الأعمال الصالحة التي شرعها الله لكم في دين الإسلام. وسيجمعكم الله جميعا يوم القيامة من أي موضع كنتم فيه. إن الله على كل شيء قدير.
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 149 )
ومن أي مكان خَرَجْتَ - أيها النبي- مسافرًا, وأردت الصلاة, فوجِّه وجهك نحو المسجد الحرام. وإنَّ توجُّهك إليه لهو الحق الثابت من ربك. وما الله بغافل عما تعملونه, وسيجازيكم على ذلك.
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 150 )
ومن أى مكان خرجت - أيها النبي- فتوجَّه إلى المسجد الحرام, وحيثما كنتم - أيها المسلمون- , بأي قطر من أقطار الأرض فولُّوا وجوهكم نحو المسجد الحرام; لكي لا يكون للناس المخالفين لكم احتجاج عليكم بالمخاصمة والمجادلة, بعد هذا التوجه إليه, إلا أهل الظلم والعناد منهم, فسيظلُّون على جدالهم, فلا تخافوهم وخافوني بامتثال أمري, واجتناب نهيي; ولكي أتم نعمتي عليكم باختيار أكمل الشرائع لكم, ولعلكم تهتدون إلى الحق والصواب.
كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 151 )
كما أنعمنا عليكم باستقبال الكعبة أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم الآيات المبينة للحق من الباطل, ويطهركم من دنس الشرك وسوء الأخلاق, ويعلمكم الكتاب والسنة وأحكام الشريعة, ويعلمكم من أخبار الأنبياء, وقصص الأمم السابقة ما كنتم تجهلونه.
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ( 152 )
أمر تعالى المؤمنين بذكره، ووعد عليه أفضل الجزاء، وهو الثناء في الملأ الأعلى على مَنْ ذكره, وخصوني - أيها المؤمنون- بالشكر قولا وعملا ولا تجحدوا نعمي عليكم.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 153 )
يا أيها المؤمنون اطلبوا العون من الله في كل أموركم: بالصبر على النوائب والمصائب, وترك المعاصي والذنوب, والصبر على الطاعات والقربات, والصلاة التي تطمئن بها النفس, وتنهى عن الفحشاء والمنكر. إن الله مع الصابرين بعونه وتوفيقه وتسديده. وفي الآية: إثبات معيَّة الله الخاصة بالمؤمنين, المقتضية لما سلف ذكره; أما المعية العامة, المقتضية للعلم والإحاطة فهي لجميع الخلق.
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ ( 154 )
ولا تقولوا - أيها المؤمنون- فيمن يُقتلون مجاهدين في سبيل الله: هم أموات, بل هم أحياء حياة خاصة بهم في قبورهم, لا يعلم كيفيتها إلا الله - تعالى- , ولكنكم لا تُحسُّون بها. وفي هذا دليل على نعيم القبر.
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( 155 )
ولنختبرنكم بشيء يسير من الخوف، ومن الجوع, وبنقص من الأموال بتعسر الحصول عليها, أو ذهابها, ومن الأنفس: بالموت أو الشهادة في سبيل الله, وبنقص من ثمرات النخيل والأعناب والحبوب, بقلَّة ناتجها أو فسادها. وبشِّر - أيها النبي- الصابرين على هذا وأمثاله بما يفرحهم ويَسُرُّهم من حسن العاقبة في الدنيا والآخرة.
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ( 156 )
من صفة هؤلاء الصابرين أنهم إذا أصابهم شيء يكرهونه قالوا: إنَّا عبيد مملوكون لله, مدبَّرون بأمره وتصريفه, يفعل بنا ما يشاء, وإنا إليه راجعون بالموت, ثم بالبعث للحساب والجزاء.
أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ( 157 )
أولئك الصابرون لهم ثناء من ربهم ورحمة عظيمة منه سبحانه, وأولئك هم المهتدون إلى الرشاد.
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ( 158 )
إن الصفا والمروة- وهما جبلان صغيران قرب الكعبة من جهة الشرق- من معالم دين الله الظاهرة التي تعبَّد الله عباده بالسعي بينهما. فمَن قصد الكعبة حاجًّا أو معتمرًا, فلا إثم عليه ولا حرج في أن يسعى بينهما, بل يجب عليه ذلك, ومن فعل الطاعات طواعية من نفسه مخلصًا بها لله تعالى, فإن الله تعالى شاكر يثيب على القليل بالكثير, عليم بأعمال عباده فلا بضيعها, ولا يبخس أحدًا مثقال ذرة.
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ( 159 )
إن الذين يُخْفون ما أنزلنا من الآيات الواضحات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به, وهم أحبار اليهود وعلماء النصارى وغيرهم ممن يكتم ما أنزل الله من بعد ما أظهرناه للناس في التوراة والإنجيل, أولئك يطردهم الله من رحمته, ويدعو عليهم باللعنة جميع الخليقة.
إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 160 )
إلا الذين رجعوا مستغفرين الله من خطاياهم, وأصلحوا ما أفسدوه, وبَيَّنوا ما كتموه, فأولئك أقبل توبتهم وأجازيهم بالمغفرة, وأنا التواب على من تاب من عبادي, الرحيم بهم; إذ وفقتُهم للتوبة وقبلتها منهم.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 161 )
إن الذين جحدوا الإيمان وكتموا الحق, واستمروا على ذلك حتى ماتوا, أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين بالطرد من رحمته.
خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 162 )
دائمين في اللعنة والنار, لا يخفف عنهم العذاب, ولا هم يمهلون بمعذرة يعتذرون بها.
وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ( 163 )
وإلهكم - أيها الناس- إله واحد متفرد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وعبودية خلقه له, لا معبود بحق إلا هو, الرحمن المتصف بالرحمة في ذاته وأفعاله لجميع الخلق, الرحيم بالمؤمنين.
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 164 )
إن في خلق السماوات بارتفاعها واتساعها, والأرض بجبالها وسهولها وبحارها, وفي اختلاف الليل والنهار من الطول والقصر, والظلمة والنور, وتعاقبهما بأن يخلف كل منهما الآخر, وفي السفن الجارية في البحار, التي تحمل ما ينفع الناس, وما أنزل الله من السماء من ماء المطر, فأحيا به الأرض, فصارت مخضرَّة ذات بهجة بعد أن كانت يابسة لا نبات فيها, وما نشره الله فيها من كل ما دبَّ على وجه الأرض, وما أنعم به عليكم من تقليب الرياح وتوجيهها, والسحاب المسيَّر بين السماء والأرض - إن في كل الدلائل السابقة لآياتٍ على وحدانية الله, وجليل نعمه, لقوم يعقلون مواضع الحجج, ويفهمون أدلته سبحانه على وحدانيته, واستحقاقه وحده للعبادة.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ( 165 )
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الوردة الحمراء
ADMIN
avatar

الجنس : انثى
عدد المساهمات : 9471
نقاط : 11011
تاريخ التسجيل : 05/06/2016
العمر : 51

المشاركة رقم 7 موضوع: رد: تفاسيرالقرآن متعدد لسوره كاملا 2018-03-25, 10:00 am

ومع هذه البراهين القاطعة يتخذ فريق من الناس من دون الله أصنامًا وأوثانًا وأولياء يجعلونهم نظراء لله تعالى, ويعطونهم من المحبة والتعظيم والطاعة, ما لا يليق إلا بالله وحده. والمؤمنون أعظم حبا لله من حب هؤلاء الكفار لله ولآلهتهم; لأن المؤمنين أخلصوا المحبة كلها لله, وأولئك أشركوا في المحبة. ولو يعلم الذين ظلموا أنفسهم بالشرك في الحياة الدنيا, حين يشاهدون عذاب الآخرة, أن الله هو المتفرد بالقوة جميعًا, وأن الله شديد العذاب, لما اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونهم من دونه, ويتقربون بهم إليه.
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ( 166 )
عند معاينتهم عذاب الآخرة يتبرأ الرؤساء المتبوعون ممن اتبعهم على الشرك, وتنقطع بينهم كل الصلات التي ارتبطوا بها في الدنيا: من القرابة, والاتِّباع, والدين, وغير ذلك.
وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ( 167 )
وقال التابعون: يا ليت لنا عودة إلى الدنيا, فنعلن براءتنا من هؤلاء الرؤساء, كما أعلنوا براءتهم مِنَّا. وكما أراهم الله شدة عذابه يوم القيامة يريهم أعمالهم الباطلة ندامات عليهم, وليسوا بخارجين من النار أبدًا.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 168 )
يا أيها الناس كلوا من رزق الله الذي أباحه لكم في الأرض, وهو الطاهر غير النجس, النافع غير الضار, ولا تتبعوا طرق الشيطان في التحليل والتحريم, والبدع والمعاصي. إنه عدو لكم ظاهر العداوة.
إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ( 169 )
إنما يأمركم الشيطان بكل ذنب قبيح يسوءُكم, وبكل معصية بالغة القبح, وبأن تفتروا على الله الكذب من تحريم الحلال وغيره بدون علم.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ( 170 )
وإذا قال المؤمنون ناصحين أهل الضلال: اتبعوا ما أنزل الله من القرآن والهدى, أصرُّوا على تقليد أسلافهم المشركين قائلين: لا نتبع دينكم, بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا. أيتبعون آباءهم ولو كانوا لا يعقلون عن الله شيئًا, ولا يدركون رشدًا؟
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 171 )
وصفة الذين كفروا وداعيهم إلى الهدى والإيمان كصفة الراعي الذي يصيح بالبهائم ويزجرها, وهي لا تفهم معاني كلامه, وإنما تسمع النداء ودَوِيَّ الصوت فقط. هؤلاء الكفار صُمٌّ سدُّوا أسماعهم عن الحق, بُكْم أخرسوا ألسنتهم عن النطق به, عُمْي لا ترى أعينهم براهينه الباهرة, فهم لا يعملون عقولهم فيما ينفعهم.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 )
يا أيها المؤمنون كلوا من الأطعمة المستلَذَّة الحلال التي رزقناكم, ولا تكونوا كالكفار الذين يحرمون الطيبات, ويستحِلُّون الخبائث, واشكروا لله نعمه العظيمة عليكم بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم, إن كنتم حقًا منقادين لأمره, سامعين مطيعين له, تعبدونه وحده لا شريك له.
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 )
إنما حرم الله عليكم ما يضركم كالميتة التي لم تذبح بطريقة شرعية, والدم المسفوح, ولحم الخنزير, والذبائح التي ذبحت لغير الله. ومِنْ فَضْلِ الله عليكم وتيسيره أنه أباح لكم أكل هذه المحرمات عند الضرورة. فمن ألجأته الضرورة إلى أكل شيء منها, غير ظالم في أكله فوق حاجته, ولا متجاوز حدود الله فيما أُبيح له, فلا ذنب عليه في ذلك. إن الله غفور لعباده, رحيم بهم.
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 174 )
إن الذين يُخْفون ما أنزل الله في كتبه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الحق, ويحرصون على أخذ عوض قليل من عرض الحياة الدنيا مقابل هذا الإخفاء, هؤلاء ما يأكلون في مقابلة كتمان الحق إلا نار جهنم تتأجج في بطونهم, ولا يكلمهم الله يوم القيامة لغضبه وسخطه عليهم, ولا يطهرهم من دنس ذنوبهم وكفرهم, ولهم عذاب موجع.
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( 175 )
أولئك المتصفون بهذه الصفات استبدلوا الضلالة بالهدى وعذاب الله بمغفرته, فما أشد جراءتهم على النار بعملهم أعمال أهل النار!! يعجب الله من إقدامهم على ذلك, فاعجبوا - أيها الناس- من جراءتهم, ومن صبرهم على النار ومكثهم فيها. وهذا على وجه الاستهانة بهم, والاستخفاف بأمرهم.
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ( 176 )
ذلك العذاب الذي استحقوه بسبب أن الله تعالى نزَّل كتبه على رسله مشتملة على الحق المبين, فكفروا به. وإن الذين اختلفوا في الكتاب فأمنوا ببعضه وكفروا ببعضه, لفي منازعة ومفارقة بعيدة عن الرشد والصواب.
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 177 )
ليس الخير عند الله- تعالى- في التوجه في الصلاة إلى جهة المشرق والمغرب إن لم يكن عن أمر الله وشرعه, وإنما الخير كل الخير هو إيمان من آمن بالله وصدَّق به معبودًا وحدَه لا شريك له, وآمن بيوم البعث والجزاء, وبالملائكة جميعًا, وبالكتب المنزلة كافة, وبجميع النبيين من غير تفريق, وأعطى المال تطوُّعًا - مع شدة حبه- ذوي القربى, واليتامى المحتاجين الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ, والمساكين الذين أرهقهم الفقر, والمسافرين المحتاجين الذين بَعُدوا عن أهلهم ومالهم, والسائلين الذين اضطروا إلى السؤال لشدة حاجتهم, وأنفق في تحرير الرقيق والأسرى, وأقام الصلاة, وأدى الزكاة المفروضة, والذين يوفون بالعهود, ومن صبر في حال فقره ومرضه, وفي شدة القتال. أولئك المتصفون بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم, وأولئك هم الذين اتقَوا عقاب الله فتجنبوا معاصيه.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 178 )
يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه فرض الله عليكم أن تقتصوا من القاتل عمدا بقتله, بشرط المساواة والمماثلة: يُقتل الحر بمثله, والعبد بمثله, والأنثى بمثلها. فمن سامحه ولي المقتول بالعفو عن الاقتصاص منه والاكتفاء بأخذ الدية - وهي قدر مالي محدد يدفعه الجاني مقابل العفو عنه- فليلتزم الطرفان بحسن الخلق, فيطالب الولي بالدية من غير عنف, ويدفع القاتل إليه حقه بإحسان, مِن غير تأخير ولا نقص. ذلك العفو مع أخذ الدية تخفيف من ربكم ورحمة بكم; لما فيه من التسهيل والانتفاع. فمَن قتل القاتل بعد العفو عنه وأَخْذِ الدية فله عذاب أليم بقتله قصاصًا في الدنيا, أو بالنار في الآخرة.
وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 179 )
ولكم في تشريع القصاص وتنفيذه حياة آمنة - يا أصحاب العقول السليمة- ; رجاء تقوى الله وخشيته بطاعته دائمًا.
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 180 )
فرض الله عليكم إذا حضر أحدكم علامات الموت ومقدماته - إن ترك مالا- الوصية بجزء من ماله للوالدين والأقربين مع مراعاة العدل; فلا يدع الفقير ويوصي للغني, ولا يتجاوز الثلث, وذلك حق ثابت يعمل به أهل التقوى الذين يخافون الله. وكان هذا قبل نزول آيات المواريث التي حدَّد الله فيها نصيب كل وارث.
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 181 )
فمَن غَيَّر وصية الميت بعدما سمعها منه قبل موته, فإنما الذنب على مَن غيَّر وبدَّل. إن الله سميع لوصيتكم وأقوالكم, عليم بما تخفيه صدوركم من الميل إلى الحق والعدل أو الجور والحيف, وسيجازيكم على ذلك.
فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 182 )
فمَن علم مِن موصٍ ميلا عن الحق في وصيته على سبيل الخطأ أو العمد, فنصح الموصيَ وقت الوصية بما هو الأعدل، فإن لم يحصل له ذلك فأصلح بين الأطراف بتغيير الوصية; لتوافق الشريعة, فلا ذنب عليه في هذا الإصلاح. إن الله غفور لعباده, رحيم بهم.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 183 )
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه, فرض الله عليكم الصيام كما فرضه على الأمم قبلكم; لعلكم تتقون ربكم, فتجعلون بينكم وبين المعاصي وقاية بطاعته وعبادته وحده.
أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 184 )
فرض الله عليكم صيام أيام معلومة العدد وهي أيام شهر رمضان. فمن كان منكم مريضًا يشق عليه الصوم, أو مسافرًا فله أن يفطر, وعليه صيام عدد من أيام أُخَر بقدر التي أفطر فيها. وعلى الذين يتكلفون الصيام ويشقُّ عليهم مشقة غير محتملة كالشيخ الكبير, والمريض الذي لا يُرْجَى شفاؤه, فدية عن كل يوم يفطره, وهي طعام مسكين, فمن زاد في قدر الفدية تبرعًا منه فهو خير له, وصيامكم خير لكم - مع تحمُّل المشقة- من إعطاء الفدية, إن كنتم تعلمون الفضل العظيم للصوم عند الله تعالى.
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 185 )
شهر رمضان الذي ابتدأ الله فيه إنزال القرآن في ليلة القدر; هداية للناس إلى الحق, فيه أوضح الدلائل على هدى الله, وعلى الفارق بين الحق والباطل. فمن حضر منكم الشهر وكان صحيحًا مقيمًا فليصم نهاره. ويُرخَّص للمريض والمسافر في الفطر, ثم يقضيان عدد تلك الأيام. يريد الله تعالى بكم اليسر والسهولة في شرائعه, ولا يريد بكم العسر والمشقة, ولتكملوا عدة الصيام شهرًا, ولتختموا الصيام بتكبير الله في عيد الفطر, ولتعظموه على هدايته لكم, ولكي تشكروا له على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق والتيسير.
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ( 186 )
وإذا سألك - أيها النبي- عبادي عني فقل لهم: إني قريب منهم, أُجيب دعوة الداعي إذا دعاني, فليطيعوني فيما أمرتهم به ونهيتهم عنه, وليؤمنوا بي, لعلهم يهتدون إلى مصالح دينهم ودنياهم. وفي هذه الآية إخبار منه سبحانه عن قربه من عباده, القرب اللائق بجلاله.
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 187 )
أباح الله لكم في ليالي شهر رمضان جماعَ نسائكم, هنَّ ستر وحفظ لكم, وأنتم ستر وحفظ لهن. علم الله أنكم كنتم تخونون أنفسكم; بمخالفة ما حرَّمه الله عليكم من مجامعة النساء بعد العشاء في ليالي الصيام - وكان ذلك في أول الإسلام- , فتاب الله عليكم ووسَّع لكم في الأمر, فالآن جامعوهن, واطلبوا ما قدَّره الله لكم من الأولاد, وكلوا واشربوا حتى يتبَيَّن ضياء الصباح من سواد الليل، بظهور الفجر الصادق, ثم أتموا الصيام بالإمساك عن المفطرات إلى دخول الليل بغروب الشمس. ولا تجامعوا نساءكم أو تتعاطوا ما يفضي إلى جماعهن إذا كنتم معتكفين في المساجد; لأن هذا يفسد الاعتكاف ( وهو الإقامة في المسجد مدة معلومة بنيَّة التقرب إلى الله تعالى ) . تلك الأحكام التي شرعها الله لكم هي حدوده الفاصلة بين الحلال والحرام, فلا تقربوها حتى لا تقعوا في الحرام. بمثل هذا البيان الواضح يبين الله آياته وأحكامه للناس; كي يتقوه ويخشَوْه.
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 188 )
ولا يأكل بعضكم مال بعض بسبب باطل كاليمين الكاذبة, والغصب, والسرقة, والرشوة, والربا ونحو ذلك, ولا تلقوا بالحجج الباطلة إلى الحكام; لتأكلوا عن طريق التخاصم أموال طائفة من الناس بالباطل, وأنتم تعلمون تحريم ذلك عليكم.
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 189 )
يسألك أصحابك - أيها النبي- : عن الأهلة وتغيُّر أحوالها, قل لهم: جعل اللهُ الأهلة علامات يعرف بها الناس أوقات عباداتهم المحددة بوقت مثل الصيام والحج, ومعاملاتهم. وليس الخير ما تعودتم عليه في الجاهلية وأول الإسلام من دخول البيوت من ظهورها حين تُحْرِمون بالحج أو العمرة, ظانين أن ذلك قربة إلى الله, ولكن الخير هو فِعْلُ مَنِ اتقى الله واجتنب المعاصي, وادخلوا البيوت من أبوابها عند إحرامكم بالحج أو العمرة, واخشوا الله تعالى في كل أموركم, لتفوزوا بكل ما تحبون من خيري الدنيا والآخرة.
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 190 )
وقاتلوا - أيها المؤمنون- لنصرة دين الله الذين يقاتلونكم, ولا ترتكبوا المناهي من المُثْلة، والغُلول، وقَتْلِ من لا يحل قتله من النساء والصبيان والشيوخ، ومن في حكمهم. إن الله لا يحب الذين يجاوزون حدوده, فيستحلون ما حرَّم الله ورسوله.
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ( 191 )
واقتلوا الذين يقاتلونكم من المشركين حيث وجدتموهم, وأخرجوهم من المكان الذي أخرجوكم منه وهو « مكة » . والفتنة - وهي الكفر والشرك والصد عن الإسلام- أشد من قتلكم إياهم. ولا تبدؤوهم بالقتال عند المسجد الحرام تعظيمًا لحرماته حتى يبدؤوكم بالقتال فيه, فإن قاتلوكم في المسجد الحرام فاقتلوهم فيه. مثل ذلك الجزاء الرادع يكون جزاء الكافرين.
فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 192 )
فإن تركوا ما هم فيه من الكفر وقتالكم عند المسجد الحرام, ودخلوا في الإيمان, فإن الله غفور لعباده, رحيم بهم.
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ ( 193 )
واستمروا- أيها المؤمنون- في قتال المشركين المعتدين, حتى لا تكون فتنة للمسلمين عن دينهم ولا شرك بالله, ويبقى الدين لله وحده خالصًا لا يُعْبَد معه غيره. فإن كفُّوا عن الكفر والقتال فكُفُّوا عنهم; فالعقوبة لا تكون إلا على المستمرين على كفرهم وعدوانهم.
الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 194 )
قتالكم - أيها المؤمنون- للمشركين في الشهر الذي حرَّم الله القتال فيه هو جزاء لقتالهم لكم في الشهر الحرام. والذي يعتدي على ما حَرَّم الله من المكان والزمان, يعاقب بمثل فعله, ومن جنس عمله. فمن اعتدى عليكم بالقتال أو غيره فأنزلوا به عقوبة مماثلة لجنايته, ولا حرج عليكم في ذلك; لأنهم هم البادئون بالعدوان, وخافوا الله فلا تتجاوزوا المماثلة في العقوبة, واعلموا أن الله مع الذين يتقونه ويطيعونه بأداء فرائضه وتجنب محارمه.
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 195 )
واستمروا- أيها المؤمنون- في إنفاق الأموال لنصرة دين الله تعالى, والجهاد في سبيله, ولا توقعوا أنفسكم في المهالك بترك الجهاد في سبيل الله, وعدم الإنفاق فيه, وأحسنوا في الانفاق والطاعة, واجعلوا عملكم كله خالصًا لوجه الله تعالى. إن الله يحب أهل الإخلاص والإحسان.
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 196 )
وأدُّوا الحج والعمرة تامَّيْنِ, خالصين لوجه الله تعالى. فإن منعكم عن الذهاب لإتمامهما بعد الإحرام بهما مانع كالعدو والمرض, فالواجب عليكم ذَبْحُ ما تيسر لكم من الإبل أو البقر أو الغنم تقربًا إلى الله تعالى; لكي تَخْرُجوا من إحرامكم بحلق شعر الرأس أو تقصيره, ولا تحلقوا رؤوسكم إذا كنتم محصرين حتى ينحر المحصر هديه في الموضع الذي حُصر فيه ثم يحل من إحرامه, كما نحر النبي صلى الله عليه وسلم في « الحديبية » ثم حلق رأسه, وغير المحصر لا ينحر الهدي إلا في الحرم, الذي هو محله في يوم العيد, اليوم العاشر وما بعده من أيام التشريق. فمن كان منكم مريضًا, أو به أذى من رأسه يحتاج معه إلى الحلق - وهو مُحْرِم- حَلَق, وعليه فدية: بأن يصوم ثلاثة أيام, أو يتصدق على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام, أو يذبح شاة لفقراء الحرم. فإذا كنتم في أمن وصحَّة: فمن استمتع بالعمرة إلى الحج وذلك باستباحة ما حُرِّم عليه بسبب الإحرام بعد انتهاء عمرته, فعليه ذبح ما تيسر من الهدي, فمن لم يجد هَدْيًا يذبحه فعليه صيام ثلاثة أيام في أشهر الحج, وسبعة إذا فرغتم من أعمال الحج ورجعتم إلى أهليكم, تلك عشرة كاملة لا بد من صيامها. ذلك الهَدْيُ وما ترتب عليه من الصيام لمن لم يكن أهله من ساكني أرض الحرم, وخافوا الله تعالى وحافظوا على امتثال أوامره واجتناب نواهيه, واعلموا أن الله شديد العقاب لمن خالف أمره, وارتكب ما عنه زجر.
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ ( 197 )
وقت الحج أشهر معلومات, وهي: شوال, وذو القعدة, وعشر من ذي الحجة. فمن أوجب الحج على نفسه فيهن بالإحرام, فيحرم عليه الجماع ومقدماته القولية والفعلية, ويحرم عليه الخروج عن طاعة الله تعالى بفعل المعاصي, والجدال في الحج الذي يؤدي إلى الغضب والكراهية. وما تفعلوا من خير يعلمه الله, فيجازي كلا على عمله. وخذوا لأنفسكم زادًا من الطعام والشراب لسفر الحج, وزادًا من صالح الأعمال للدار الآخرة, فإن خير الزاد تقوى الله, وخافوني يا أصحاب العقول السليمة.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ( 198 )
ليس عليكم حرج في أن تطلبوا رزقًا من ربكم بالربح من التجارة في أيام الحج. فإذا دفعتم بعد غروب الشمس راجعين من « عرفات » - وهي المكان الذي يقف فيه الحجاج يوم التاسع من ذي الحجة- فاذكروا الله بالتسبيح والتلبية والدعاء عند المشعر الحرام - « المزدلفة » - , واذكروا الله على الوجه الصحيح الذي هداكم إليه, ولقد كنتم من قبل هذا الهدى في ضلال لا تعرفون معه الحق.
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 199 )
وليكن اندفاعكم من « عرفات » التي أفاض منها إبراهيم عليه السلام مخالفين بذلك من لا يقف بها من أهل الجاهلية, واسألوا الله أن يغفر لكم ذنوبكم. إن الله غفور لعباده المستغفرين التائبين, رحيم بهم.
فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ( 200 )
فإذا أتممتم عبادتكم, وفرغتم من أعمال الحج, فأكثروا من ذكر الله والثناء عليه, مثل ذكركم مفاخر آبائكم وأعظم من ذلك. فمن الناس فريق يجعل همه الدنيا فقط, فيدعو قائلا ربنا آتنا في الدنيا صحة, ومالا وأولادًا, وهؤلاء ليس لهم في الآخرة حظ ولا نصيب; لرغبتهم عنها وقَصْرِ هَمِّهم على الدنيا.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ( 201 )
ومن الناس فريق مؤمن يقول في دعائه: ربنا آتنا في الدنيا عافية ورزقًا وعلمًا نافعًا, وعملا صالحًا, وغير ذلك من أمور الدين والدنيا, وفي الآخرة الجنة, واصرف عنَّا عذاب النار. وهذا الدعاء من أجمع الأدعية, ولهذا كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم, كما ثبت في الصحيحين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الوردة الحمراء
ADMIN
avatar

الجنس : انثى
عدد المساهمات : 9471
نقاط : 11011
تاريخ التسجيل : 05/06/2016
العمر : 51

المشاركة رقم 8 موضوع: رد: تفاسيرالقرآن متعدد لسوره كاملا 2018-03-25, 10:00 am

أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( 202 )
أولئك الداعون بهذا الدعاء لهم ثواب عظيم بسبب ما كسبوه من الأعمال الصالحة. والله سريع الحساب, مُحْصٍ أعمال عباده, ومجازيهم بها.
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 203 )
واذكروا الله تسبيحًا وتكبيرًا في أيام قلائل, وهي أيام التشريق: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة. فمن أراد التعجل وخرج من « مِنى » قبل غروب شمس اليوم الثاني عشر بعد رمي الجمار فلا ذنب عليه, ومن تأخر بأن بات بـ « مِنى » حتى يرمي الجمار في اليوم الثالث عشر فلا ذنب عليه, لمن اتقى الله في حجه. والتأخر أفضل; لأنه تزوُّد في العبادة واقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم. وخافوا الله- أيها المسلمون- وراقبوه في كل أعمالكم, واعلموا أنكم إليه وحده تُحْشَرون بعد موتكم للحساب والجزاء.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ( 204 )
وبعض الناس من المنافقين يعجبك - أيها الرسول- كلامه الفصيح الذي يريد به حظًّا من حظوظ الدنيا لا الآخرة, ويحلف مستشهدًا بالله على ما في قلبه من محبة الإسلام, وفي هذا غاية الجرأة على الله, وهو شديد العداوة والخصومة للإسلام والمسلمين.
وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ( 205 )
وإذا خرج من عندك أيها الرسول, جَدَّ ونَشِط في الأرض ليفسد فيها, ويتلف زروع الناس, ويقتل ماشيتهم. والله لا يحب الفساد.
وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ( 206 )
وإذا نُصِح ذلك المنافق المفسد, وقيل له: اتق الله واحذر عقابه, وكُفَّ عن الفساد في الأرض, لم يقبل النصيحة, بل يحمله الكبر وحميَّة الجاهلية على مزيد من الآثام, فَحَسْبُه جهنم وكافيته عذابًا, ولبئس الفراش هي.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ( 207 )
وبعض الناس يبيع نفسه طلبًا لرضا الله عنه, بالجهاد في سبيله, والتزام طاعته. والله رءوف بالعباد, يرحم عباده المؤمنين رحمة واسعة في عاجلهم وآجلهم, فيجازبهم أحسن الجزاء.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 208 )
يا أيها الذين آمنوا بالله ربًا وبمحمد نبيًا ورسولا وبالإسلام دينًا, ادخلوا في جميع شرائع الإسلام, عاملين بجميع أحكامه, ولا تتركوا منها شيئًا, ولا تتبعوا طرق الشيطان فيما يدعوكم إليه من المعاصي. إنه لكم عدو ظاهر العداوة فاحذروه.
فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 209 )
فإن انحرفتم عن طريق الحق, من بعد ما جاءتكم الحجج الواضحة من القرآن والسنة, فاعلموا أن الله عزيز في ملكه لا يفوته شيء, حكيم في أمره ونهيه, يضع كل شيء في موضعه المناسب له.
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ( 210 )
ما ينتظر هؤلاء المعاندون الكافرون بعد قيام الأدلة البينة إلا أن يأتيهم الله عز وجل على الوجه اللائق به سبحانه في ظُلَل من السحاب يوم القيامة; ليفصل بينهم بالقضاء العادل, وأن تأتي الملائكة, وحينئذ يقضي الله تعالى فيهم قضاءه. وإليه وحده ترجع أمور الخلائق جميعها.
سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 211 )
سل - أيها الرسول- بني إسرائيل المعاندين لك: كم أعطيناهم من آيات واضحات في كتبهم تهديهم إلى الحق, فكفروا بها كلها, وأعرضوا عنها, وحَرَّفوها عن مواضعها. ومن يبدل نعمة الله - وهي دينه- ويكفر بها من بعد معرفتها, وقيام الحجة عليه بها, فإن الله تعالى شديد العقاب له.
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( 212 )
حُسِّن للذين جحدوا وحدانية الله الحياةُ الدنيا وما فيها من الشهوات والملذات, وهم يستهزئون بالمؤمنين. وهؤلاء الذين يخشون ربهم فوق جميع الكفار يوم القيامة; حيث يدخلهم الله أعلى درجات الجنة, وينزل الكافرين أسفل دركات النار. والله يرزق مَن يشاء مِن خلقه بغير حساب.
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 213 )
كان الناس جماعة واحدة, متفقين على الإيمان بالله ثم اختلفوا في دينهم, فبعث الله النبيين دعاة لدين الله, مبشرين مَن أطاع الله بالجنة, ومحذرين من كفر به وعصاه النار, وأنزل معهم الكتب السماوية بالحق الذي اشتملت عليه; ليحكموا بما فيها بين الناس فيما اختلفوا فيه, وما اخْتَلَف في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه ظلمًا وحسدًا إلا الذين أعطاهم الله التوراة, وعرفوا ما فيها من الحجج والأحكام, فوفَّق الله المؤمنين بفضله إلى تمييز الحق من الباطل, ومعرفة ما اختلفوا فيه. والله يوفِّق من يشاء من عباده إلى طريق مستقيم.
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( 214 )
بل أظننتم - أيها المؤمنون- أن تدخلوا الجنة, ولمَّا يصبكم من الابتلاء مثل ما أصاب المؤمنين الذين مضوا من قبلكم: من الفقر والأمراض والخوف والرعب, وزُلزلوا بأنواع المخاوف, حتى قال رسولهم والمؤمنون معه - على سبيل الاستعجال للنصر من الله تعالى- : متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب من المؤمنين.
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 215 )
يسألك أصحابك - أيها النبي- أي شيء ينفقون من أصناف أموالهم تقربًا إلى الله تعالى, وعلى مَن ينفقون؟ قل لهم: أنفقوا أيَّ خير يتيسر لكم من أصناف المال الحلال الطيب, واجعلوا نفقتكم للوالدين, والأقربين من أهلكم وذوي أرحامكم, واليتامى, والفقراء, والمسافر المحتاج الذي بَعُدَ عن أهله وماله. وما تفعلوا من خير فإن الله تعالى به عليم.
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 216 )
فرض الله عليكم - أيها المؤمنون- قتال الكفار, والقتال مكروه لكم من جهة الطبع; لمشقته وكثرة مخاطره, وقد تكرهون شيئًا وهو في حقيقته خير لكم, وقد تحبون شيئًا لما فيه من الراحة أو اللذة العاجلة, وهو شر لكم. والله تعالى يعلم ما هو خير لكم, وأنتم لا تعلمون ذلك. فبادروا إلى الجهاد في سبيله.
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 217 )
يسألك المشركون - أيها الرسول- عن الشهر الحرام: هل يحل فيه القتال؟ قل لهم: القتال في الشهر الحرام عظيم عند الله استحلاله وسفك الدماء فيه, ومَنْعكم الناس من دخول الإسلام بالتعذيب والتخويف, وجحودكم بالله وبرسوله وبدينه, ومَنْع المسلمين من دخول المسجد الحرام, وإخراج النبي والمهاجرين منه وهم أهله وأولياؤه, ذلك أكبر ذنبًا, وأعظم جرمًا عند الله من القتال في الشهر الحرام. والشرك الذي أنتم فيه أكبر وأشد من القتل في الشهر الحرام. وهؤلاء الكفار لم يرتدعوا عن جرائمهم, بل هم مستمرون عليها, ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن الإسلام إلى الكفر إن استطاعوا تحقيق ذلك. ومن أطاعهم منكم - أيها المسلمون- وارتدَّ عن دينه فمات على الكفر, فقد ذهب عمله في الدنيا والآخرة, وصار من الملازمين لنار جهنم لا يخرج منها أبدًا.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 218 )
إن الذين صَدَّقوا بالله ورسوله وعملوا بشرعه والذين تركوا ديارهم, وجاهدوا في سبيل الله, أولئك يطمعون في فضل الله وثوابه. والله غفور لذنوب عباده المؤمنين, رحيم بهم رحمة واسعة.
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ( 219 ) فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 220 )
يسألك المسلمون - أيها النبي- عن حكم تعاطي الخمر شربًا وبيعًا وشراءً, والخمر كل مسكر خامر العقل وغطاه مشروبًا كان أو مأكولا ويسألونك عن حكم القمار - وهو أَخْذُ المال أو إعطاؤه بالمقامرة وهي المغالبات التي فيها عوض من الطرفين- , قل لهم: في ذلك أضرار ومفاسد كثيرة في الدين والدنيا, والعقول والأموال, وفيهما منافع للناس من جهة كسب الأموال وغيرها, وإثمهما أكبر من نفعهما; إذ يصدَّان عن ذكر الله وعن الصلاة, ويوقعان العداوة والبغضاء بين الناس, ويتلفان المال. وكان هذا تمهيدًا لتحريمهما. ويسألونك عن القَدْر الذي ينفقونه من أموالهم تبرعًا وصدقة, قل لهم: أنفقوا القَدْر الذي يزيد على حاجتكم. مثل ذلك البيان الواضح يبيِّن الله لكم الآيات وأحكام الشريعة; لكي تتفكروا فيما ينفعكم في الدنيا والآخرة.
ويسألونك - أيها النبي- عن اليتامى كيف يتصرفون معهم في معاشهم وأموالهم؟ قل لهم: إصلاحكم لهم خير, فافعلوا الأنفع لهم دائمًا, وإن تخالطوهم في سائر شؤون المعاش فهم إخوانكم في الدين. وعلى الأخ أن يرعى مصلحة أخيه. والله يعلم المضيع لأموال اليتامى من الحريص على إصلاحها. ولو شاء الله لضيَّق وشقَّ عليكم بتحريم الخالطة. إن الله عزيز في ملكه, حكيم في خلقه وتدبيره وتشريعه.
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 221 )
ولا تتزوجوا - أيها المسلمون- المشركات عابدات الأوثان, حتى يدخلن في الإسلام. واعلموا أن امرأة مملوكة لا مال لها ولا حسب, مؤمنةً بالله, خير من امرأة مشركة, وإن أعجبتكم المشركة الحرة. ولا تُزَوِّجوا نساءكم المؤمنات - إماء أو حرائر- للمشركين حتى يؤمنوا بالله ورسوله. واعلموا أن عبدًا مؤمنًا مع فقره, خير من مشرك, وإن أعجبكم المشرك. أولئك المتصفون بالشرك رجالا ونساءً يدعون كل مَن يعاشرهم إلى ما يؤدي به إلى النار, والله سبحانه يدعو عباده إلى دينه الحق المؤدي بهم إلى الجنة ومغفرة ذنوبهم بإذنه, ويبين آياته وأحكامه للناس; لكي يتذكروا, فيعتبروا.
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ( 222 )
ويسألونك عن الحيض- وهو الدم الذي يسيل من أرحام النساء جِبِلَّة في أوقات مخصوصة- , قل لهم - أيها النبي- : هو أذى مستقذر يضر من يَقْرَبُه, فاجتنبوا جماع النساء مدة الحيض حتى ينقطع الدم, فإذا انقطع الدم, واغتسلن, فجامعوهن في الموضع الذي أحلَّه الله لكم, وهو القبل لا الدبر. إن الله يحب عباده المكثرين من الاستغفار والتوبة, ويحب عباده المتطهرين الذين يبتعدون عن الفواحش والأقذار.
نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 223 )
نساؤكم موضع زرع لكم, تضعون النطفة في أرحامهن, فَيَخْرج منها الأولاد بمشيئة الله, فجامعوهن في محل الجماع فقط, وهو القبل بأي كيفية شئتم, وقَدِّموا لأنفسكم أعمالا صالحة بمراعاة أوامر الله, وخافوا الله, واعلموا أنكم ملاقوه للحساب يوم القيامة. وبشِّر المؤمنين - أيها النبي- بما يفرحهم ويسرُّهم من حسن الجزاء في الآخرة.
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 224 )
ولا تجعلوا - أيها المسلمون- حلفكم بالله مانعًا لكم من البر وصلة الرحم والتقوى والإصلاح بين الناس: بأن تُدْعَوا إلى فعل شيء منها, فتحتجوا بأنكم أقسمتم بالله ألا تفعلوه, بل على الحالف أن يعدل عن حلفه, ويفعل أعمال البر, ويكفر عن يمينه, ولا يعتاد ذلك. والله سميع لأقوالكم, عليم بجميع أحوالكم.
لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 225 )
لا يعاقبكم الله بسبب أيمانكم التي تحلفونها بغير قصد, ولكن يعاقبكم بما قصدَتْه قلوبكم. والله غفور لمن تاب إليه, حليم بمن عصاه حيث لم يعاجله بالعقوبة.
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 226 )
للذين يحلفون بالله أن لا يجامعوا نساءهم, انتظار أربعة أشهر, فإن رجعوا قبل فوات الأشهر الأربعة, فإن الله غفور لما وقع منهم من الحلف بسبب رجوعهم, رحيم بهم.
وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 227 )
وإن عقدوا عزمهم على الطلاق, باستمرارهم في اليمين, وترك الجماع, فإن الله سميع لأقوالهم, عليم بمقاصدهم, وسيجازيهم على ذلك.
وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 228 )
والمطلقات ذوات الحيض, يجب أن ينتظرن دون نكاح بعد الطلاق مدة ثلاثة أطهار أو ثلاث حيضات على سبيل العدة; ليتأكدن من فراغ الرحم من الحمل. ولا يجوز لهن تزوج رجل آخر في أثناء هذه العدة حتى تنتهي. ولا يحل لهن أن يخفين ما خلق الله في أرحامهن من الحمل أو الحيض, إن كانت المطلقات مؤمنات حقًا بالله واليوم الآخر. وأزواج المطلقات أحق بمراجعتهن في العدة. وينبغي أن يكون ذلك بقصد الإصلاح والخير, وليس بقصد الإضرار تعذيبًا لهن بتطويل العدة. وللنساء حقوق على الأزواج, مثل التي عليهن, على الوجه المعروف, وللرجال على النساء منزلة زائدة من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف والقِوامة على البيت وملك الطلاق. والله عزيز له العزة القاهرة, حكيم يضع كل شيء في موضعه المناسب.
الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 229 )
الطلاق الذي تحصل به الرجعة مرتان, واحدة بعد الأخرى, فحكم الله بعد كل طلقة هو إمساك المرأة بالمعروف, وحسن العشرة بعد مراجعتها, أو تخلية سبيلها مع حسن معاملتها بأداء حقوقها, وألا يذكرها مطلقها بسوء. ولا يحل لكم- أيها الأزواج- أن تأخذوا شيئًا مما أعطيتموهن من المهر ونحوه, إلا أن يخاف الزوجان ألا يقوما بالحقوق الزوجية, فحينئذ يعرضان أمرهما على الأولياء, فإن خاف الأولياء عدم إقامة الزوجين حدود الله, فلا حرج على الزوجين فيما تدفعه المرأة للزوج مقابل طلاقها. تلك الأحكام هي حدود الله الفاصلة بين الحلال والحرام, فلا تتجاوزوها, ومن يتجاوز حدود الله تعالى فأولئك هم الظالمون أنفسهم بتعريضها لعذاب الله.
فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 230 )
فإن طلَّق الرجل زوجته الطلقة الثالثة, فلا تحلُّ له إلا إذا تزوجت رجلا غيره زواجًا صحيحًا وجامعها فيه ويكون الزواج عن رغبة, لا بنية تحليل المرأة لزوجها الأول, فإن طلقها الزوج الآخر أو مات عنها وانقضت عدتها, فلا إثم على المرأة وزوجها الأول أن يتزوجا بعقد جديد, ومهر جديد, إن غلب على ظنهما أن يقيما أحكام الله التي شرعها للزوجين. وتلك أحكام الله المحددة يبينها لقوم يعلمون أحكامه وحدوده; لأنهم المنتفعون بها.
37
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 231 )
وإذا طَلَّقتم النساء فقاربن انتهاء عدتهن, فراجعوهن, ونيتكم القيام بحقوقهن على الوجه المستحسن شرعًا وعرفًا, أو اتركوهن حتى تنقضي عدتهن. واحذروا أن تكون مراجعتهن بقصد الإضرار بهن لأجل الاعتداء على حقوقهن. ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه باستحقاقه العقوبة, ولا تتخذوا آيات الله وأحكامه لعبًا ولهوًا. واذكروا نعمة الله عليكم بالإسلام وتفصيل الأحكام. واذكروا ما أنزل الله عليكم من القرآن والسنة, واشكروا له سبحانه على هذه النعم الجليلة, يُذكِّركم الله بهذا, ويخوفكم من المخالفة, فخافوا الله وراقبوه, واعلموا أن الله عليم بكل شيء, لا يخفى عليه شيء, وسيجازي كلا بما يستحق.
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 232 )
واذا طلَّقتم نساءكم دون الثلاث وانتهت عدتهن من غير مراجعة لهن, فلا تضيقوا - أيها الأولياء- على المطلقات بمنعهن من العودة إلى أزواجهن بعقد جديد إذا أردن ذلك, وحدث التراضي شرعًا وعرفًا. ذلك يوعظ به من كان منكم صادق الإيمان بالله واليوم الآخر. إن تَرْكَ العضل وتمكين الأزواج من نكاح زوجاتهم أكثر نماء وطهارة لأعراضكم, وأعظم منفعة وثوابًا لكم. والله يعلم ما فيه صلاحكم وأنتم لا تعلمون ذلك.
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 233 )
وعلى الوالدات إرضاع أولادهن مدة سنتين كاملتين لمن أراد إتمام الرضاعة, ويجب على الآباء أن يكفُلوا للمرضعات المطلقات طعامهن وكسوتهن, على الوجه المستحسن شرعًا وعرفًا; لأن الله لا يكلف نفسًا إلا قدر طاقتها, ولا يحل للوالدين أن يجعلوا المولود وسيلة للمضارة بينهما, ويجب على الوارث عند موت الوالد مثل ما يجب على الوالد قبل موته من النفقة والكسوة. فإن أراد الوالدان فطام المولود قبل انتهاء السنتين فلا حرج عليهما إذا تراضيا وتشاورا في ذلك; ليصلا إلى ما فيه مصلحة المولود. وإن اتفق الوالدان على إرضاع المولود من مرضعة أخرى غير والدته فلا حرج عليهما, إذا سلَّم الوالد للأم حقَّها، وسلَّم للمرضعة أجرها بما يتعارفه الناس. وخافوا الله في جميع أحوالكم, واعلموا أن الله بما تعملون بصير, وسيجازيكم على ذلك.
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 234 )
والذين يموتون منكم, ويتركون زوجات بعدهم, يجب عليهن الانتظار بأنفسهن مدة أربعة أشهر وعشرة أيام, لا يخرجن من منزل الزوجية, ولا يتزيَّنَّ, ولا يتزوجن, فإذا انتهت المدة المذكورة فلا إثم عليكم يا أولياء النساء فيما يفعلن في أنفسهن من الخروج, والتزين, والزواج على الوجه المقرر شرعًا. والله سبحانه وتعالى خبير بأعمالكم ظاهرها وباطنها, وسيجازيكم عليها.
وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 235 )
ولا إثم عليكم - أيها الرجال- فيما تُلَمِّحون به مِن طلب الزواج بالنساء المتوفَّى عنهنَّ أزواجهن، أو المطلقات طلاقًا بائنًا في أثناء عدتهن, ولا ذنب عليكم أيضًا فيما أضمرتموه في أنفسكم من نية الزواج بهن بعد انتهاء عدتهن. علم الله أنكم ستذكرون النساء المعتدَّات, ولن تصبروا على السكوت عنهن, لضعفكم; لذلك أباح لكم أن تذكروهن تلميحًا أو إضمارًا في النفس, واحذروا أن تواعدوهن على النكاح سرًا بالزنى أو الاتفاق على الزواج في أثناء العدة, إلا أن تقولوا قولا يُفْهَم منه أن مثلها يُرْغَبُ فيها الأزواج, ولا تعزموا على عقد النكاح في زمان العدة حتى تنقضي مدتها. واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فخافوه, واعلموا أن الله غفور لمن تاب من ذنوبه, حليم على عباده لا يعجل عليهم بالعقوبة.
لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ( 236 )
لا إثم عليكم - أيها الأزواج- إن طلقتم النساء بعد العقد عليهن, وقبل أن تجامعوهن, أو تحددوا مهرًا لهن, ومتِّعوهن بشيء ينتفعن به جبرًا لهن, ودفعًا لوحشة الطلاق, وإزالة للأحقاد. وهذه المتعة تجب بحسب حال الرجل المطلِّق: على الغني قَدْر سَعَة رزقه, وعلى الفقير قَدْر ما يملكه, متاعًا على الوجه المعروف شرعًا, وهو حق ثابت على الذين يحسنون إلى المطلقات وإلى أنفسهم بطاعة الله.
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 237 )
وإن طلَّقتم النساء بعد العقد عليهن, ولم تجامعوهن, ولكنكم ألزمتم أنفسكم بمهر محدد لهن, فيجب عليكم أن تعطوهن نصف المهر المتفق عليه, إلا أنْ تُسامِح المطلقات, فيتركن نصف المهر المستحق لهن, أو يسمح الزوج بأن يترك للمطلقة المهر كله, وتسامحكم أيها الرجال والنساء أقرب إلى خشية الله وطاعته, ولا تنسوا - أيها الناس- الفضل والإحسان بينكم, وهو إعطاء ما ليس بواجب عليكم, والتسامح في الحقوق. إن الله بما تعملون بصير, يُرغِّبكم في المعروف, ويحثُّكم على الفضل.
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ( 238 )
حافظوا - أيها المسلمون- على الصلوات الخمس المفروضة بالمداومة على أدائها في أوقاتها بشروطها وأركانها وواجباتها, وحافظوا على الصلاة المتوسطة بينها وهي صلاة العصر, وقوموا في صلاتكم مطيعين لله, خاشعين ذليلين.
فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 239 )
فإن خفتم من عدو لكم فصلوا صلاة الخوف ماشين, أو راكبين, على أي هيئة تستطيعونها ولو بالإيماء, أو إلى غير جهة القبلة, فإذا زال خوفكم فصلُّوا صلاة الأمن, واذكروا الله فيها, ولا تنقصوها عن هيئتها الأصلية, واشكروا له على ما علَّمكم من أمور العبادات والأحكام ما لم تكونوا على علم به.
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 240 )
والأزواج الذين يموتون ويتركون زوجات بعدهم, فعليهم وصيةً لهنَّ: أن يُمَتَّعن سنه تامة من يوم الوفاة, بالسكنى في منزل الزوج من غير إخراج الورثة لهن مدة السنة; جبرًا لخاطر الزوجة, وبرًا بالمتوفَّى. فإن خرجت الزوجات باختيارهن قبل انقضاء السنة فلا إثم عليكم - أيها الورثة- في ذلك, ولا حرج على الزوجات فيما فعلن في أنفسهن من أمور مباحة. والله عزيز في ملكه, حكيم في أمره ونهيه. وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا ) .
وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 241 )
وللمطلقات متاع من كسوة ونفقة على الوجه المعروف المستحسن شرعًا, حقًا على الذين يخافون الله ويتقونه في أمره ونهيه.
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 242 )
مثل ذلك البيان الواضح في أحكام الأولاد والنساء, يبيِّن الله لكم آياته وأحكامه في كل ما تحتاجونه في معاشكم ومعادكم; لكي تعقلوها وتعملوا بها.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 243 )
ألم تعلم - أيها الرسول- قصة الذين فرُّوا من أرضهم ومنازلهم, وهم ألوف كثيرة; خشية الموت من الطاعون أو القتال, فقال لهم الله: موتوا, فماتوا دفعة واحدة عقوبة على فرارهم من قدر الله, ثم أحياهم الله تعالى بعد مدة; ليستوفوا آجالهم, وليتعظوا ويتوبوا؟ إن الله لذو فضل عظيم على الناس بنعمه الكثيرة, ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضل الله عليهم.
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 244 )
وقاتلوا - أيها المسلمون- الكفار لنصرة دين الله, واعلموا أن الله سميع لأقوالكم, عليم بنيَّاتكم وأعمالكم.
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 245 )
من ذا الذي ينفق في سبيل الله إنفاقًا حسنًا احتسابًا للأجر, فيضاعفه له أضعافا كثيرة لا تحصى من الثواب وحسن الجزاء؟ والله يقبض ويبسط, فأنفقوا ولا تبالوا; فإنه هو الرزاق, يُضيِّق على مَن يشاء من عباده في الرزق, ويوسعه على آخرين, له الحكمة البالغة في ذلك, وإليه وحده ترجعون بعد الموت, فيجازيكم على أعمالكم.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 246 )
ألم تعلم - أيها الرسول- قصة الأشراف والوجهاء من بني إسرائيل من بعد زمان موسى; حين طلبوا من نبيهم أن يولي عليهم ملكا, يجتمعون تحت قيادته, ويقاتلون أعداءهم في سبيل الله. قال لهم نبيهم: هل الأمر كما أتوقعه إنْ فُرِض عليكم القتال في سبيل الله أنكم لا تقاتلون; فإني أتوقع جبنكم وفراركم من القتال, قالوا مستنكرين توقع نبيهم: وأي مانع يمنعنا عن القتال في سبيل الله, وقد أَخْرَجَنَا عدوُّنا من ديارنا, وأبعدنا عن أولادنا بالقتل والأسر؟ فلما فرض الله عليهم القتال مع الملِك الذي عيَّنه لهم جَبُنوا وفرُّوا عن القتال, إلا قليلا منهم ثبتوا بفضل الله. والله عليم بالظالمين الناكثين عهودهم.
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( 247 )
وقال لهم نبيهم: إن الله قد أرسل إليكم طالوت مَلِكًا إجابة لطلبكم, يقودكم لقتال عدوكم كما طلبتم. قال كبراء بني إسرائيل: كيف يكون طالوت مَلِكًا علينا, وهو لا يستحق ذلك؟ لأنه ليس من سبط الملوك, ولا من بيت النبوة, ولم يُعْط كثرة في الأموال يستعين بها في ملكه, فنحن أحق بالملك منه; لأننا من سبط الملوك ومن بيت النبوة. قال لهم نبيهم: إن الله اختاره عليكم وهو سبحانه أعلم بأمور عباده, وزاده سَعَة في العلم وقوة في الجسم ليجاهد العدو. والله مالك الملك يعطي ملكه مَن يشاء من عباده, والله واسع الفضل والعطاء, عليم بحقائق الأمور, لا يخفى عليه شيء.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الوردة الحمراء
ADMIN
avatar

الجنس : انثى
عدد المساهمات : 9471
نقاط : 11011
تاريخ التسجيل : 05/06/2016
العمر : 51

المشاركة رقم 9 موضوع: رد: تفاسيرالقرآن متعدد لسوره كاملا 2018-03-25, 10:01 am

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 248 )
وقال لهم نبيهم: إن علامة ملكه أن يأتيكم الصندوق الذي فيه التوراة - وكان أعداؤهم قد انتزعوه منهم- فيه طمأنينة من ربكم تثبت قلوب المخلصين, وفيه بقية من بعض أشياء تركها آل موسى وآل هارون, مثل العصا وفُتات الألواح تحمله الملائكة. إن في ذلك لأعظم برهان لكم على اختيار طالوت ملكًا عليكم بأمر الله, إن كنتم مصدقين بالله ورسله.
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 249 )
فلما خرج طالوت بجنوده لقتال العمالقة قال لهم: إن الله ممتحنكم على الصبر بنهر أمامكم تعبرونه; ليتميَّز المؤمن من المنافق, فمن شرب منكم من ماء النهر فليس مني, ولا يصلح للجهاد معي, ومن لم يذق الماء فإنه مني; لأنه مطيع لأمري وصالح للجهاد, إلا مَن ترخَّص واغترف غُرْفة واحدة بيده فلا لوم عليه. فلما وصلوا إلى النهر انكبوا على الماء, وأفرطوا في الشرب منه, إلا عددًا قليلا منهم صبروا على العطش والحر, واكتفوا بغُرْفة اليد, وحينئذ تخلف العصاة. ولما عبر طالوت النهر هو والقلة المؤمنة معه - وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا لملاقاة العدو, ورأوا كثرة عدوهم وعدَّتهم, قالوا: لا قدرة لنا اليوم بجالوت وجنوده الأشداء, فأجاب الذين يوقنون بلقاء الله, يُذَكِّرون إخوانهم بالله وقدرته قائلين: كم من جماعة قليلة مؤمنة صابرة, غلبت بإذن الله وأمره جماعة كثيرة كافرة باغية. والله مع الصابرين بتوفيقه ونصره, وحسن مثوبته.
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ( 250 )
ولما ظهروا لجالوت وجنوده, ورأوا الخطر رأي العين, فزعوا إلى الله بالدعاء والضراعة قائلين: ربنا أنزل على قلوبنا صبرًا عظيمًا, وثبت أقدامنا, واجعلها راسخة في قتال العدو, لا تفر مِن هول الحرب, وانصرنا بعونك وتأييدك على القوم الكافرين.
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ( 251 )
فهزموهم بإذن الله, وقتل داود - عليه السلام- جالوتَ قائدَ الجبابرة, وأعطى الله عز وجل داود بعد ذلك الملك والنبوة في بني إسرائيل, وعَلَّمه مما يشاء من العلوم. ولولا أن يدفع الله ببعض الناس - وهم أهل الطاعة له والإيمان به- بعضًا, وهم أهل المعصية لله والشرك به, لفسدت الأرض بغلبة الكفر, وتمكُّن الطغيان, وأهل المعاصي, ولكن الله ذو فضل على المخلوقين جميعًا.
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 252 )
تلك حجج الله وبراهينه, نقصُّها عليك - أيها النبي- بالصدق, وإنك لمن المرسلين الصادقين.
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ( 253 )
هؤلاء الرسل الكرام فضَّل الله بعضهم على بعض, بحسب ما منَّ الله به عليهم: فمنهم مَن كلمه الله كموسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام, وفي هذا إثبات صفة الكلام لله عز وجل على الوجه اللائق بجلاله, ومنهم مَن رفعه الله درجاتٍ عاليةً كمحمد صلى الله عليه وسلم, بعموم رسالته, وختم النبوة به, وتفضيل أمته على جميع الأمم, وغير ذلك. وآتى الله تعالى عيسى ابن مريم عليه السلام البينات المعجزات الباهرات, كإبراء مَن ولد أعمى بإذن الله تعالى, ومَن به برص بإذن الله, وكإحيائه الموتى بإذن الله, وأيده بجبريل عليه السلام. ولو شاء الله ألا يقتتل الذين جاؤوا مِن بعد هؤلاء الرسل مِن بعد ما جاءتهم البينات ما اقتتلوا, ولكن وقع الاختلاف بينهم: فمنهم مَن ثبت على إيمانه, ومنهم مَن أصر على كفره. ولو شاء الله بعد ما وقع الاختلاف بينهم, الموجب للاقتتال, ما اقتتلوا, ولكن الله يوفق مَن يشاء لطاعته والإيمان به, ويخذل مَن يشاء, فيعصيه ويكفر به، فهو يفعل ما يشاء ويختار.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 254 )
يا من آمنتم بالله وصدَّقتم رسوله وعملتم بهديه أخرجوا الزكاة المفروضة, وتصدَّقوا مما أعطاكم الله قبل مجيء يوم القيامة حين لا بيع فيكون ربح, ولا مال تفتدون به أنفسكم مِن عذاب الله, ولا صداقة صديق تُنقذكم, ولا شافع يملك تخفيف العذاب عنكم. والكافرون هم الظالمون المتجاوزون حدود الله.
اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( 255 )
الله الذي لا يستحق الألوهية والعبودية إلا هو, الحيُّ الذي له جميع معاني الحياة الكاملة كما يليق بجلاله, القائم على كل شيء, لا تأخذه سِنَة أي: نعاس, ولا نوم, كل ما في السماوات وما في الأرض ملك له, ولا يتجاسر أحد أن يشفع عنده إلا بإذنه, محيط علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها, يعلم ما بين أيدي الخلائق من الأمور المستقبلة, وما خلفهم من الأمور الماضية, ولا يَطَّلعُ أحد من الخلق على شيء من علمه إلا بما أعلمه الله وأطلعه عليه. وسع كرسيه السماوات والأرض, والكرسي: هو موضع قدمي الرب - جل جلاله- ولا يعلم كيفيته إلا الله سبحانه, ولا يثقله سبحانه حفظهما, وهو العلي بذاته وصفاته على جميع مخلوقاته, الجامع لجميع صفات العظمة والكبرياء. وهذه الآية أعظم آية في القرآن, وتسمى: ( آية الكرسي ) .
لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 256 )
لكمال هذا الدين واتضاح آياته لا يُحتاج إلى الإكراه عليه لمن تُقبل منهم الجزية, فالدلائل بينة يتضح بها الحق من الباطل, والهدى من الضلال. فَمَن يكفر بكل ما عُبِد من دون الله ويؤمن بالله, فقد ثبت واستقام على الطريقة المثلى, واستمسك من الدين بأقوى سبب لا انقطاع له. والله سميع لأقوال عباده, عليم بأفعالهم ونياتهم, وسيجازيهم على ذلك.
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 257 )
الله يتولى المؤمنين بنصره وتوفيقه وحفظه, يخرجهم من ظلمات الكفر, إلى نور الإيمان. والذين كفروا أنصارهم وأولياؤهم الأنداد والأوثان الذين يعبدونهم من دون الله, يُخرجونهم من نور الإيمان إلى ظلمات الكفر, أولئك أصحاب النار الملازمون لها, هم فيها باقون بقاء أبديًا لا يخرجون منها.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 258 )
هل رأيت - أيها الرسول- أعجب مِن حال هذا الذي جادل إبراهيم عليه السلام في توحيد الله تعالى وربوبيته; لأن الله أعطاه المُلْك فتجبَّر وسأل إبراهيمَ: مَن ربُّك؟ فقال عليه السلام: ربي الذي يحيي الخلائق فتحيا, ويسلبها الحياة فتموت, فهو المتفرد بالإحياء والإماتة, قال: أنا أحيي وأميت, أي أقتل مَن أردتُ قَتْلَه, وأستبقي مَن أردت استبقاءه, فقال له إبراهيم: إن الله الذي أعبده يأتي بالشمس من المشرق, فهل تستطيع تغيير هذه السُّنَّة الإلهية بأن تجعلها تأتي من المغرب; فتحيَّر هذا الكافر وانقطعت حجته, شأنه شأن الظالمين لا يهديهم الله إلى الحق والصواب.
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 259 )
أو هل رأيت - أيها الرسول- مثل الذي مرَّ على قرية قد تهدَّمت دورها, وخَوَتْ على عروشها, فقال: كيف يحيي الله هذه القرية بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام, ثم ردَّ إليه روحه, وقال له: كم قدر الزمان الذي لبثت ميتًا؟ قال: بقيت يومًا أو بعض يوم, فأخبره بأنه بقي ميتًا مائة عام, وأمره أن ينظر إلى طعامه وشرابه, وكيف حفظهما الله من التغيُّر هذه المدة الطويلة, وأمره أن ينظر إلى حماره كيف أحياه الله بعد أن كان عظامًا متفرقة؟ وقال له: ولنجعلك آية للناس, أي: دلالة ظاهرة على قدرة الله على البعث بعد الموت, وأمره أن ينظر إلى العظام كيف يرفع الله بعضها على بعض, ويصل بعضها ببعض, ثم يكسوها بعد الالتئام لحمًا, ثم يعيد فيها الحياة؟ فلما اتضح له ذلك عِيانًا اعترف بعظمة الله, وأنه على كل شيء قدير, وصار آية للناس.
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 260 )
واذكر - أيها الرسول- طلب إبراهيم من ربه أن يريه كيفية البعث, فقال الله له: أَوَلم تؤمن؟ قال: بلى, ولكن أطلب ذلك لأزداد يقينًا على يقيني, قال: فخذ أربعة من الطير فاضممهن إليك واذبحهن وقطعهن, ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا, ثم نادِهن يأتينك مسرعات. فنادى إبراهيم عليه السلام, فإذا كل جزء يعود إلى موضعه, وإذا بها تأتي مسرعة. واعلم أن الله عزيز لا يغلبه شيء, حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( 261 )
ومِن أعظم ما ينتفع به المؤمنون الإنفاقُ في سبيل الله. ومثل المؤمنين الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة زُرِعتْ في أرض طيبة, فإذا بها قد أخرجت ساقًا تشعب منها سبع شعب, لكل واحدة سنبلة, في كل سنبلة مائة حبة. والله يضاعف الأجر لمن يشاء, بحسب ما يقوم بقلب المنفق من الإيمان والإخلاص التام. وفضل الله واسع, وهو سبحانه عليم بمن يستحقه, مطلع على نيات عباده.
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 262 )
الذين يخرجون أموالهم في الجهاد وأنواع الخير, ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات مَنّاً على مَن أعطَوه ولا أذى بقول أو فِعْلٍ يشعره بالتفضل عليه, لهم ثوابهم العظيم عند ربهم, ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة, ولا هم يحزنون على شيء فاتهم في هذه الدنيا.
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ( 263 )
كلام طيب وعفو عما بدر مِن السائل مِن إلحافٍ في السؤال, خير من صدقة يتبعها من المتصدق أذى وإساءة. والله غني عن صدقات العباد, حليم لا يعاجلهم بالعقوبة.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( 264 )
يا من آمنتم بالله واليوم الآخر لا تُذْهِبُوا ثواب ما تتصدقون به بالمنِّ والأذى, فهذا شبيه بالذي يخرج ماله ليراه الناس, فيُثنوا عليه, وهو لا يؤمن بالله ولا يوقن باليوم الآخر, فمثل ذلك مثل حجر أملس عليه تراب هطل عليه مطر غزير فأزاح عنه التراب, فتركه أملس لا شيء عليه, فكذلك هؤلاء المراؤون تضمحلُّ أعمالهم عند الله, ولا يجدون شيئًا من الثواب على ما أنفقوه. والله لا يوفق الكافرين لإصابة الحق في نفقاتهم وغيرها.
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 265 )
ومثل الذين ينفقون أموالهم طلبًا لرضا الله واعتقادًا راسخًا بصدق وعده, كمثل بستان عظيم بأرض عالية طيبة هطلت عليه أمطار غزيرة, فتضاعفت ثمراته, وإن لم تسقط عليه الأمطار الغزيرة فيكفيه رذاذ المطر ليعطي الثمرة المضاعفة, وكذلك نفقات المخلصين تُقبل عند الله وتُضاعف, قلَّت أم كثُرت, فالله المُطَّلِع على السرائر, البصير بالظواهر والبواطن, يثيب كلا بحسب إخلاصه.
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ( 266 )
أيرغب الواحد منكم أن يكون له بستان فيه النخيل والأعناب, تجري من تحت أشجارِه المياه العذبة, وله فيه من كل ألوان الثمرات, وقد بلغ الكِبَر, ولا يستطيع أن يغرس مثل هذا الغرس, وله أولاد صغار في حاجة إلى هذا البستان وفي هذه الحالة هبَّت عليه ريح شديدة, فيها نار محرقة فأحرقته; وهكذا حال غير المخلصين في نفقاتهم, يأتون يوم القيامة ولا حسنة لهم. وبمثل هذا البيان يبيِّن الله لكم ما ينفعكم; كي تتأملوا, فتخلصوا نفقاتكم لله.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 267 )
يا من آمنتم بي واتبعتم رسلي أنفقوا من الحلال الطيب الذي كسبتموه ومما أخرجنا لكم من الأرض, ولا تقصدوا الرديء منه لتعطوه الفقراء, ولو أُعطِيتموه لم تأخذوه إلا إذا تغاضيتم عما فيه من رداءة ونقص. فكيف ترضون لله ما لا ترضونه لأنفسكم؟ واعلموا أن الله الذي رزقكم غني عن صدقاتكم, مستحق للثناء, محمود في كل حال.
الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( 268 )
هذا البخل واختيار الرديء للصدقة من الشيطان الذي يخوفكم الفقر, ويغريكم بالبخل, ويأمركم بالمعاصي ومخالفة الله تعالى, والله سبحانه وتعالى يعدكم على إنفاقكم غفرانًا لذنوبكم ورزقا واسعا. والله واسع الفضل, عليم بالأعمال والنيَّات.
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ ( 269 )
يؤتي الله الإصابة في القول والفعل مَن يشاء من عباده, ومن أنعم الله عليه بذلك فقد أعطاه خيرًا كثيرًا. وما يتذكر هذا وينتفع به إلا أصحاب العقول المستنيرة بنور الله وهدايته.
وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ( 270 )
وما أعطيتم من مال أو غيره كثير أو قليل تتصدقون به ابتغاء مرضات الله أو أوجبتم على أنفسكم شيئًا من مال أو غيره, فإن الله يعلمه, وهو المُطَّلِع على نياتكم, وسوف يثيبكم على ذلك. ومَن منع حق الله فهو ظالم, والظالمون ليس لهم أنصار يمنعونهم من عذاب الله.
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 271 )
إن تظهروا ما تتصدقون به لله فنِعْمَ ما تصدقتم به, وإن تسرُّوا بها, وتعطوها الفقراء فهذا أفضل لكم; لأنه أبعد عن الرياء, وفي الصدقة - مع الإخلاص- محو لذنوبكم. والله الذي يعلم دقائق الأمور, لا يخفى عليه شيء من أحوالكم, وسيجازي كلا بعمله.
لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ( 272 )
لست - أيها الرسول- مسئولا عن توفيق الكافرين للهداية, ولكن الله يشرح صدور مَن يشاء لدينه, ويوفقه له. وما تبذلوا من مال يَعُدْ عليكم نَفْعُه من الله, والمؤمنون لا ينفقون إلا طلبًا لمرضاة الله. وما تنفقوا من مال - مخلصين لله- توفوا ثوابه, ولا تُنْقَصُوا شيئا من ذلك. وفي الآية إثبات صفة الوجه لله تعالى على ما يليق به سبحانه.
لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 273 )
اجعلوا صدقاتكم لفقراء المسلمين الذين لا يستطيعون السفر; طلبًا للرزق لاشتغالهم بالجهاد في سبيل الله, يظنهم مَن لا يعرفهم غير محتاجين إلى الصدقة; لتعففهم عن السؤال, تعرفهم بعلاماتهم وآثار الحاجة فيهم, لا يسألون الناس بالكُليَّة, وإن سألوا اضطرارًا لم يُلِحُّوا في السؤال. وما تنفقوا مِن مال في سبيل الله فلا يخفى على الله شيء منه, وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمَّه يوم القيامة.
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 274 )
الذين يُخْرجون أموالهم مرضاة لله ليلا ونهارًا مسرِّين ومعلنين, فلهم أجرهم عند ربهم, ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة, ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا. ذلك التشريع الإلهي الحكيم هو منهاج الإسلام في الإنفاق لما فيه مِن سدِّ حاجة الفقراء في كرامة وعزة, وتطهير مال الأغنياء, وتحقيق التعاون على البر والتقوى; ابتغاء وجه الله دون قهر أو إكراه.
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 275 )
الذين يتعاملون بالربا - وهو الزيادة على رأس المال- لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من الجنون; ذلك لأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا, في أن كلا منهما حلال, ويؤدي إلى زيادة المال, فأكذبهم الله, وبيَّن أنه أحل البيع وحرَّم الربا; لما في البيع والشراء من نفع للأفراد والجماعات, ولما في الربا من استغلال وضياع وهلاك. فمن بلغه نهي الله عن الربا فارتدع, فله ما مضى قبل أن يبلغه التحريم لا إثم عليه فيه, وأمره إلى الله فيما يستقبل من زمانه, فإن استمرَّ على توبته فالله لا يضيع أجر المحسنين, ومن عاد إلى الربا ففعله بعد بلوغه نهي الله عنه, فقد استوجب العقوبة, وقامت عليه الحجة, ولهذا قال سبحانه: ( فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ( 276 )
يذهب الله الربا كله أو يحرم صاحبه بركة ماله, فلا ينتفع به، وينمي الصدقات ويكثرها، ويضاعف الأجر للمتصدقين, ويبارك لهم في أموالهم. والله لا يحب كل مُصِرٍّ على كفره, مُسْتَحِلٍّ أكل الربا, متمادٍ في الإثم والحرام ومعاصي الله.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 277 )
إن الذين صدقوا الله ورسوله, وعملوا الأعمال الطيبة, وأدَّوا الصلاة كما أمر الله ورسوله, وأخرجوا زكاة أموالهم, لهم ثواب عظيم خاص بهم عند ربهم ورازقهم, ولا يلحقهم خوف في آخرتهم, ولا حزن على ما فاتهم من حظوظ دنياهم.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 278 )
يا من آمنتم بالله واتبعتم رسوله خافوا الله, واتركوا طلب ما بقي لكم من زيادة على رؤوس أموالكم التي كانت لكم قبل تحريم الربا, إن كنتم محققين إيمانكم قولا وعملا.
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ( 279 )
فإن لم ترتدعوا عما نهاكم الله عنه فاستيقنوا بحرب من الله ورسوله, وإن رجعتم إلى ربكم وتركتم أَكْلَ الربا فلكم أَخْذُ ما لكم من ديون دون زيادة, لا تَظْلمون أحدًا بأخذ ما زاد على رؤوس أموالكم, ولا يظلمكم أحد بنقص ما أقرضتم.
وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 280 )
وإن كان المدين غير قادر على السداد فأمهلوه إلى أن ييسِّر الله له رزقًا فيدفع إليكم مالكم, وإن تتركوا رأس المال كله أو بعضه وتضعوه عن المدين فهو أفضل لكم, إن كنتم تعلمون فَضْلَ ذلك, وأنَّه خير لكم في الدنيا والآخرة.
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 281 )
واحذروا - أيها الناس- يومًا ترجعون فيه إلى الله, وهو يوم القيامة, حيث تعرضون على الله ليحاسبكم, فيجازي كل واحد منكم بما عمل من خير أو شر دون أن يناله ظلم. وفي الآية إشارة إلى أن اجتناب ما حرم الله من المكاسب الربوية, تكميل للإيمان وحقوقه من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وعمل الصالحات.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 282 )
يا من آمنتم بالله واتبعتم رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم إذا تعاملتم بدَيْن إلى وقت معلوم فاكتبوه; حفظًا للمال ودفعًا للنزاع. ولْيقُم بالكتابة رجل أمين ضابط, ولا يمتنع مَن علَّمه الله الكتابة عن ذلك, ولْيقم المدين بإملاء ما عليه من الدَّيْن, وليراقب ربه, ولا ينقص من دينه شيئا. فإن كان المدين محجورًا عليه لتبذيره وإسرافه, أو كان صغيرًا أو مجنونًا, أو لا يستطيع النطق لخرس به أو عدم قدرة كاملة على الكلام, فليتولَّ الإملاء عن المدين القائم بأمره, واطلبوا شهادة رجلين مسلمَيْن بالِغَيْن عاقلَيْن من أهل العدالة. فإن لم يوجد رجلان, فاطلبوا شهادة رجل وامرأتين ترضون شهادتهم, حتى إذا نَسِيَتْ إحداهما ذكَّرتها الأخرى, وعلى الشهداء أن يجيبوا مَن دعاهم إلى الشهادة, وعليهم أداؤها إذا ما دعوا إليها, ولا تَمَلُّوا من كتابة الدَّين قليلا أو كثيرًا إلى وقته المعلوم. ذلكم أعدل في شرع الله وهديه, وأعظم عونًا على إقامة الشهادة وأدائها, وأقرب إلى نفي الشك في جنس الدَّين وقدره وأجله. لكن إن كانت المسألة مسألة بيع وشراء، بأخذ سلعة ودفع ثمنها في الحال، فلا حاجة إلى الكتابة, ويستحب الإشهاد على ذلك منعًا للنزاع والشقاق، ومن الواجب على الشاهد والكاتب أداء الشهادة على وجهها والكتابة كما أمر الله. ولا يجوز لصاحب الحق ومَن عليه الحق الإضرار بالكُتَّاب والشهود، وكذلك لا يجوز للكُتَّاب والشهود أن يضارُّوا بمن احتاج إلى كتابتهم أو شهادتهم، وإن تفعلوا ما نهيتم عنه فإنه خروج عن طاعة الله، وعاقبة ذلك حالَّة بكم. وخافوا الله في جميع ما أمركم به، ونهاكم عنه، ويعلمكم الله جميع ما يصلح دنياكم وأخراكم. والله بكل شيء عليم، فلا يخفى عليه شيء من أموركم، وسيجازيكم على ذلك.
وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 283 )
وإن كنتم مسافرين ولم تجدوا مَن يكتب لكم فادفعوا إلى صاحب الحق شيئًا يكون عنده ضمانًا لحقِّه إلى أن يردَّ المدينُ ما عليه من دين, فإن وثق بعضكم ببعض فلا حرج في ترك الكتابة والإشهاد والرهن, ويبقى الدَّين أمانة في ذمَّة المدين, عليه أداؤه, وعليه أن يراقب الله فلا يخون صاحبه. فإن أنكر المدين ما عليه من دين, وكان هناك مَن حضر وشهد, فعليه أن يظهر شهادته, ومن أخفى هذه الشهادة فهو صاحب قلب غادر فاجر. والله المُطَّلِع على السرائر, المحيط علمه بكل أموركم, سيحاسبكم على ذلك.
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 284 )
لله ملك السماوات والأرض وما فيهما ملكًا وتدبيرًا وإحاطة, لا يخفى عليه شيء. وما تظهروه مما في أنفسكم أو تخفوه فإن الله يعلمه, وسيحاسبكم به, فيعفو عمن يشاء, ويؤاخذ من يشاء. والله قادر على كل شيء, وقد أكرم الله المسلمين بعد ذلك فعفا عن حديث النفس وخطرات القلب ما لم يتبعها كلام أو عمل, كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( 285 )
صدَّق وأيقن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بما أوحي إليه من ربه وحُقَّ له أن يُوقن, والمؤمنون كذلك صدقوا وعملوا بالقرآن العظيم, كل منهم صدَّق بالله رباً وإلهًا متصفًا بصفات الجلال والكمال, وأن لله ملائكة كرامًا, وأنه أنزل كتبًا, وأرسل إلى خلقه رسلا لا نؤمن - نحن المؤمنين- ببعضهم وننكر بعضهم, بل نؤمن بهم جميعًا. وقال الرسول والمؤمنون: سمعنا يا ربنا ما أوحيت به, وأطعنا في كل ذلك, نرجو أن تغفر - بفضلك- ذنوبنا, فأنت الذي ربَّيتنا بما أنعمت به علينا, وإليك - وحدك- مرجعنا ومصيرنا.
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ( 286 )
دين الله يسر لا مشقة فيه, فلا يطلب الله مِن عباده ما لا يطيقونه, فمن فعل خيرًا نال خيرًا, ومن فعل شرّاً نال شرّاً. ربنا لا تعاقبنا إن نسينا شيئًا مما افترضته علينا, أو أخطأنا في فِعْل شيء نهيتنا عن فعله, ربَّنا ولا تكلفنا من الأعمال الشاقة ما كلفته مَن قبلنا من العصاة عقوبة لهم, ربنا ولا تُحَمِّلْنَا ما لا نستطيعه من التكاليف والمصائب, وامح ذنوبنا, واستر عيوبنا, وأحسن إلينا, أنت مالك أمرنا ومدبره, فانصرنا على مَن جحدوا دينك وأنكروا وحدانيتك, وكذَّبوا نبيك محمدًا صلى الله عليه وسلم, واجعل العاقبة لنا عليهم في الدنيا والآخرة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الوردة الحمراء
ADMIN
avatar

الجنس : انثى
عدد المساهمات : 9471
نقاط : 11011
تاريخ التسجيل : 05/06/2016
العمر : 51

المشاركة رقم 10 موضوع: رد: تفاسيرالقرآن متعدد لسوره كاملا 2018-03-25, 10:01 am

3. سورة آل عمران [ مدنية وآياتها 199 أو 200 آية ، نزلت بعد الأنفال ]
1. ( الم ) الله أعلم بمراده بذلك
2. ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم )
3. ( نزَّل عليك ) يا محمد ( الكتاب ) القرآن ملتبسا ( بالحق ) بالصدق في أخباره ( مصدقا لما بين يديه ) قبله من الكتب ( وأنزل التوراة والإنجيل )
4. ( من قبل ) أي قبل تنزيله ( هدى ) حال بمعنى هادين من الضلالة ( للناس ) ممن تبعهما ، وعبّر فيهما بأنزل وفي القرآن بنزّل المقتضي للتكرير لأنهما أنزلا دفعة واحدة بخلافه ( وأنزل الفرقان ) بمعنى الكتب الفارقة بين الحق والباطل وذكره بعد ذكر الثلاثة ليعم ما عداها ( إن الذين كفروا بآيات الله ) القرآن وغيره ( لهم عذاب شديد والله عزيز ) غالب على أمره فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده ووعيده ( ذو انتقام ) عقوبة شديدة ممن عصاه لا يقدر على مثلها أحد
5. ( إن الله لا يخفى عليه شيء ) كائن ( في الأرض ولا في السماء ) لعلمه بما يقع في العالم من كلي وجزئي وخصهما بالذكر لأن الحس لا يتجاوزهما
6. ( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ) من ذكورة وأنوثة وبياض وسواد وغير ذلك ( لا إله إلا هو العزيز ) في ملكه ( الحكيم ) في صنعه
7. ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ) واضحات الدلالة ( هن أم الكتاب ) أصله المعتمد عليه في الأحكام ( وأخر متشابهات ) لا تفهم معانيها كأوائل السور وجعله كله محكما في قوله { أحكمت آياته } بمعنى أيه ليس فيه عيب ، ومتشابها في قوله { كتابا متشابها } بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن والصدق ( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) ميل عن الحق ( فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ) طلب ( الفتنة ) لجهالهم بوقوعهم في الشبهات واللبس ( وابتغاء تأويله ) تفسيره ( وما يعلم تأويله ) تفسيره ( إلا الله ) وحده ( والراسخون ) الثابتون المتمكنون ( في العلم ) مبتدأ خبره ( يقولون آمنا به ) أي بالمتشابه أنه من عند الله ولا نعلم معناه ( كل ) من المحكم والمتشابه ( من عند ربنا وما يذَّكر ) بإدغام التاء في الأصل في الذال أي يتعظ ( إلا أولوا الألباب ) أصحاب العقول ويقولون أيضا إذا رأوا من يتبعه:
8. ( ربنا لا تزغ قلوبنا ) تملها عن الحق بابتغاء تأويله الذي لا يليق بنا كما أزغت قلوب أولئك ( بعد إذ هديتنا ) أرشدتنا إليه ( وهب لنا من لدنك ) من عندك ( رحمة ) تثبيتا ( إنك أنت الوهاب )
9. يا ( ربنا إنك جامع الناس ) تجمعهم ( ليوم ) أي في يوم ( لا ريب ) لا شك ( فيه ) هو يوم القيامة فتجازيهم بأعمالهم كما وعدت بذلك ( إن الله لا يخلف الميعاد ) موعده بالبعث فيه التفات عن الخطاب ويحتمل أن يكون من كلامه تعالى والغرض من الدعاء بذلك بيان أن همهم أمر الآخرة ولذلك سألوا الثبات على الهداية لينالوا ثوابها ، روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: « تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات } إلى آخرها ، وقال فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم » وروى الطبراني في الكبير عن أبي موسى الأشعري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « ما أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال وذكر منها أن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وليس يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلى أولوا الألباب » الحديث
10. ( إن الذين كفروا لن تغني ) تدفع ( عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ) أي عذابه ( شيئا وأولئك هم وَقود النار ) بفتح الواو ما توقد به
11. دأبهم ( كدأب ) كعادة ( آل فرعون والذين من قبلهم ) من الأمم كعاد وثمود ( كذبوا بآياتنا فأخذهم الله ) أهلكهم ( بذنوبهم ) والجملة مفسرة لما قبلها ( والله شديد العقاب ) ونزل لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم اليهود بالإسلام بعد مرجعه من بدر فقالوا له لا يغرنك أنك قتلت نفرا من قريش أغمارا لا يعرفون القتال:
12. ( قل ) يا محمد ( للذين كفروا ) من اليهود ( ستغلبون ) بالتاء والياء في الدنيا بالقتل والأسر وضرب الجزية وقد وقع ذلك ( وتحشرون ) بالوجهين في الآخرة ( إلى جهنم ) فتدخلونها ( وبئس المهاد ) الفراش هي
13. ( قد كان لكم آية ) عبرة وذكر الفعل للفصل ( في فئتين ) فرقتين ( التقتا ) يوم بدر للقتال ( فئة تقاتل في سبيل الله ) أي طاعته وهم النبي وأصحابه وكانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا معهم فرسان وست أدرع وثمانية سيوف وأكثرهم رجال ( وأخرى كافرة يرونهم ) أي الكفار ( مثليهم ) أي المسلمين أي أكثر منهم وكانوا نحو ألف ( رأي العين ) أي رؤية ظاهرة معاينة وقد نصرهم الله مع قلتهم ( والله يؤيد ) يقوي ( بنصره من يشاء إن في ذلك ) المذكور ( لعبرة لأولي الأبصار ) لذوي البصائر أفلا تعتبرون بذلك فتؤمنوا
14. ( زين للناس حب الشهوات ) ما تشتهيه النفس وتدعو إليه ، زينها الله ابتلاء أو الشيطان ( من النساء والبنين والقناطير ) الأموال الكثيرة ( المقنطرة ) المجمعة ( من الذهب والفضة والخيل المسومة ) الحسان ( والأنعام ) أي الإبل والبقر والغنم ( والحرث ) الزرع ( ذلك ) المذكور ( متاع الحياة الدنيا ) يتمتع به فيها ثم يفنى ( والله عنده حسن المآب ) المرجع وهو الجنة فينبغي الرغبة فيه دون غيره
15. ( قل ) يا محمد لقومك ( أؤنبئكم ) أخبركم ( بخير من ذلكم ) المذكور من الشهوات استفهام تقرير ( للذين اتقوا ) الشرك ( عند ربهم ) خبر مبتدؤه ( جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ) أي مقدرين الخلود ( فيها ) إذا دخلوها ( وأزواج مطهرة ) من الحيض وغيره مما يستقذر ( ورِضوان ) بكسر أوله وضمه لغتان أي رضاً كثيراً ( من الله والله بصير ) عالم ( بالعباد ) فيجازي كلا منهم بعمله
16. ( الذين ) نعت أو بدل من الذين قبله ( يقولون ) يا ( ربنا إننا آمنا ) صدقنا بك وبرسولك ( فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار )
17. ( الصابرين ) على الطاعة وعن المعصية نعت ( والصادقين ) في الإيمان ( والقانتين ) المطيعين لله ( والمنفقين ) المتصدقين ( والمستغفرين ) الله بأن يقولوا اللهم اغفر لنا ( بالأسحار ) أواخر الليل خصت بالذكر لأنها وقت الغفلة ولذة النوم
18. ( شهد الله ) بين لخلقه بالدلائل والآيات ( أنه لا إله ) أي لا معبود في الوجود بحق ( إلا هو و ) شهد بذلك ( الملائكة ) بالإقرار ( وأولوا العلم ) من الأنبياء والمؤمنين بالإعتقاد واللفظ ( قائما ) بتدبير مصنوعاته ونصبه على الحال والعامل فيها معنى أي تفرد ( بالقسط ) بالعدل ( لا إله إلا هو ) كرره تأكيدا ( العزيز ) في ملكه ( الحكيم ) في صنعه
19. ( إن الدين ) المرضي ( عند الله ) هو ( الإسلام ) أي الشرع المبعوث به الرسل المبني على التوحيد وفي قراءة بفتح { أن } بدل من أنه الخ بدل اشتمال ( وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ) اليهود والنصارى في الدين بأن وحد بعض وكفر بعض ( إلا من بعد ما جاءهم العلم ) بالتوحيد ( بغيا ) من الكافرين ( بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ) أي المجازاة له
20. ( فإن حاجوك ) خاصمك الكفار يا محمد في الدين ( فقل ) لهم ( أسلمت وجهي لله ) انقدت له أنا ( ومن اتبعن ) وخص الوجه بالذكر لشرفه فغيره أولى ( وقل للذين أوتوا الكتاب ) اليهود والنصارى ( والأميين ) مشركي العرب ( أأسلمتم ) أي أسلموا ( فإن أسلموا فقد اهتدوا ) من الضلال ( وإن تولوا ) عن الإسلام ( فإنما عليك البلاغ ) التبليغ للرسالة ( والله بصير بالعباد ) فيجازيهم بأعمالهم وهذا قبل الأمر بالقتال
21. ( إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون ) وفي قراءة { يقاتلون } ( النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط ) بالعدل ( من الناس ) وهم اليهود روي أنهم قتلوا ثلاثة وأربعين نبيا فنهاهم مائة وسبعون من عبادهم فقتلوهم من يومهم ( فبشرهم ) أعلمهم ( بعذاب أليم ) مؤلم وذكر البشارة تهكم بهم ودخلت الفاء في خبر إن لشبه اسمهما الموصول بالشرط
22. ( أولئك الذين حبطت ) بطلت ( أعمالهم ) ما عملوا من خير كصدقة وصلة رحم ( في الدنيا والآخرة ) فلا اعتداد بها لعدم شرطها ( وما لهم من ناصرين ) مانعين من العذاب
23. ( ألم تر ) تنظر ( إلى الذين أوتوا نصيبا ) حظا ( من الكتاب ) التوراة ( يدعون ) حال ( إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ) عن قبول حكمه نزل في اليهود زنى منهم اثنان فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحكم عليهما بالرجم فأبوا فجيء بالتوراة فوجد فيها فرجما فغضبوا
24. ( ذلك ) التولي والإعراض ( بأنهم قالوا ) أي بسبب قولهم ( لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ) أربعين يوما مدة عبادة آبائهم العجل ثم تزول عنهم ( وغرهم في دينهم ) متعلق بقوله ( ما كانوا يفترون ) من قولهم ذلك
25. ( فكيف ) حالهم ( إذا جمعناهم ليوم ) أي في يوم ( لا ريب ) لا شك ( فيه ) هو يوم القيامة ( ووفيت كل نفس ) من أهل الكتاب وغيرهم جزاء ( ما كسبت ) عملت من خير وشر ( وهم ) أي الناس ( لا يظلمون ) بنقص حسنة أو زيادة سيئة
26. ونزلت لما وعد صلى الله عليه وسلم أمته ملك فارس والروم فقال المنافقون هيهات: ( قل اللهم ) يا الله ( مالك الملك تؤتي ) تعطي ( الملك من تشاء ) من خلقك ( وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء ) بإيتائه ( وتذل من تشاء ) بنزعه منه ( بيدك ) بقدرتك ( الخير ) أي والشر ( إنك على كل شيء قدير )
27. ( تولج ) تدخل ( الليل في النهار وتولج النهار ) تدخله ( في الليل ) فيزيد كل منهما بما نقص من الآخر ( وتخرج الحي من الميت ) كالإنسان والطائر من النطفة والبيضة ( وتخرج الميت ) كالنطفة والبيضة ( من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ) أي رزقا واسعا
28. ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء ) يوالونهم ( من دون ) أي غير ( المؤمنين ومن يفعل ذلك ) أي يواليهم ( فليس من ) دين ( الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ) مصدر تقيته أي تخافوا مخافة فلكم موالاتهم باللسان دون القلب وهذا قبل عزة الإسلام ويجري فيمن هو في بلد ليس قويا فيها ( ويحذركم ) يخوفكم ( الله نفسه ) أن يغضب عليكم إن واليتموهم ( وإلى الله المصير ) المرجع فيجازيكم
29. ( قل ) لهم ( إن تخفوا ما في صدوركم ) قلوبكم من موالاتهم ( أو تبدوه ) تظهروه ( يعلمه الله و ) هو ( يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير ) ومنه تعذيب من والاهم
30. اذكر ( يوم تجد كل نفس ما عملتـ ) ـه ( من خير محضراً وما عملتـ ) ـه ( من سوء ) مبتدأ خبره ( تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ) غاية في نهاية البعد فلا يصل إليها ( ويحذركم الله نفسه ) كرر للتأكيد ( والله رؤوف بالعباد )
31. ونزل لما قالوا ما نعبد الأصنام إلا حبا لله ليقربونا إليه ( قل ) لهم يا محمد ( إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) بمعنى أن يثيبكم ( ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور ) لمن اتبعني ما سلف منه قبل ذلك ( رحيم ) به
32. ( قل ) لهم ( أطيعوا الله والرسول ) فيما يأمركم به من التوحيد ( فإن تولوا ) أعرضوا عن الطاعة ( فإن الله لا يحب الكافرين ) فيه إقامة الظاهر مقام المضمر أي لا يحبهم بمعنى أنه يعاقبهم
33. ( إن الله اصطفى ) اختار ( آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران ) بمعنى أنفسهما ( على العالمين ) بجعل الأنبياء من نسلهم
34. ( ذرية بعضها من ) ولد ( بعض ) منهم ( والله سميع عليم )
35. اذكر ( إذ قالت امرأة عمران ) حنة لما أسنت واشتاقت للولد فدعت الله وأحست بالحمل يا ( رب إني نذرت ) أن أجعل ( لك ما في بطني محرراً ) عتيقاً خالصاً من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدس ( فتقبل مني إنك أنت السميع ) للدعاء ( العليم ) بالنيات ، وهلك عمران وهي حامل
36. ( فلما وضعتها ) ولدتها جارية وكانت ترجو أن يكون غلاما إذ لم يكن يحرر إلا الغلمان ( قالت ) معتذرة يا ( رب إني وضعتها أنثى والله أعلم ) أي عالم ( بما وضعتْ ) جملة اعتراض من كلامه تعالى وفي قراءة بضم التاء ( وليس الذكر ) الذي طلبت ( كالأنثى ) التي وهبت لأنه يقصد للخدمة وهي لا تصلح لضعفها وعورتها وما يعتريها من الحيض ونحوه ( وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها ) أولادها ( من الشيطان الرجيم ) المطرود في الحديث « ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا إلا مريم وابنها » رواه الشيخان
37. ( فتقبلها ربها ) أي قبل مريم من أمها ( بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا ) أنشأها بخلق حسن فكانت تنبت في اليوم كما ينبت المولود في العام وأتت بها أمها الأحبار سَدَنة بيت المقدس فقالت: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها بنت إمامهم فقال زكريا أنا أحق بها لأن خالتها عندي فقالوا لا حتى نقترع فانطلقوا وهم تسعة وعشرون إلى نهر الأردن وألقوا أقلامهم على أن من ثبت قلمه في الماء وصعد أولى بها فثبت قلم زكريا فأخذها وبنى لها غرفة في المسجد بسلم لا يصعد إليها غيره وكان يأتيها بأكلها وشربها ودهنها فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف كما قال تعالى ( وكفَلَها زكرياءُ ) ضمها إليه وفي قراءة بالتشديد ونصب زكريا ممدودا ومقصورا والفاعل الله ( كلما دخل عليها زكريا المحراب ) الغرفة وهي أشرف المجالس ( وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى ) من أين ( لك هذا قالت ) وهي صغيرة ( هو من عند الله ) يأتيني به من الجنة ( إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) رزقا واسعا بلا تبعة
38. ( هنالك ) أي لما رأى زكريا ذلك وعلم أن القادر على الإتيان بالشيء في غير حينه قادر على الإتيان بالولد على الكبر وكان أهل بيته انقرضوا ( دعا زكريا ربه ) لما دخل المحراب للصلاة جوف الليل ( قال رب هب لي من لدنك ) من عندك ( ذرية طيبة ) ولدا صالحا ( إنك سميع ) مجيب ( الدعاء )
39. ( فنادته الملائكة ) أي جبريل ( وهو قائم يصلي في المحراب ) أي المسجد ( أن ) أي بأن وفي قراءة بالكسر بتقدير القول ( الله يُبَشِّرك ) مثقلا ومخففا ( بيحيى مصدقا بكلمة ) كائنة ( من الله ) أي بعيسى أنه روح الله وسمي كلمة لأنه خلق بكلمة كن ( وسيدا ) متبوعا ( وحصورا ) ممنوعا من النساء ( ونبيا من الصالحين ) روي أنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها
40. ( قال رب أنى ) كيف ( يكون لي غلام ) ولد ( وقد بلغني الكبر ) أي بلغت نهاية السن مائة وعشرين سنة ( وامرأتي عاقر ) بلغت ثمان وتسعين سنة ( قال ) الأمر ( كذلك ) من خلق الله غلاما منكما ( الله يفعل ما يشاء ) لا يعجزه عنه شيء ولإظهار هذه القدرة العظيمة ألهمه السؤال ليجاب بها ولما تاقت نفسه إلى سرعة المبشر به
41. ( قال رب اجعل لي آية ) أي علامة على حمل امرأتي ( قال آيتك ) عليه ( أ ) ن ( لا تكلم الناس ) أي تمتنع من كلامهم بخلاف ذكر الله تعالى ( ثلاثة أيام ) أي بلياليها ( إلا رمزا ) إشارة ( واذكر ربك كثيرا وسبح ) صل ( بالعشي والإبكار ) أواخر النهار وأوائله
42. ( و ) اذكر ( إذ قالت الملائكة ) أي جبريل ( يا مريم إن الله اصطفاك ) اختارك ( وطهرك ) من مسيس الرجال ( واصطفاك على نساء العالمين ) أي أهل زمانك
43. ( يا مريم اقنتي لربك ) أطيعيه ( واسجدي واركعي مع الراكعين ) أي صلي مع المصلين
44. ( ذلك ) المذكور من أمر زكريا ومريم ( من أنباء الغيب ) أخبار ما غاب عنك ( نوحيه إليك ) يا محمد ( وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم ) في الماء يقترعون ليظهر لهم ( أيهم يكفل ) يربّي ( مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ) في كفالتها فتعرف ذلك فتخبر به وإنما عرفته من جهة الوحي
45. ( إذ قالت الملائكة ) أي جبريل ( يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه ) أي ولد ( اسمه المسيح عيسى ابن مريم ) خاطبها بنسبته إليها تنبيها على أنها تلده بلا أب إذ عادة الرجال نسبتهم إلى آبائهم ( وجيهاً ) ذا جاه ( في الدنيا ) بالنبوة ( والآخرة ) بالشفاعة والدرجات العلا ( ومن المقربين ) عند الله
46. ( ويكلم الناس في المهد ) أي طفلا قبل وقت الكلام ( وكهلاً ومن الصالحين )
47. ( قالت رب أنّى ) كيف ( يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ) بتزوج ولا غيره ( قال ) الأمر ( كذلك ) من خلق ولد منك بلا أب ( الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً ) أراد خلقه ( فإنما يقول له كن فيكون ) أي فهو يكون
48. ( ونعلِّمه ) بالنون والياء ( الكتاب ) الخط ( والحكمة والتوراة والإنجيل )
49. ( و ) نجعله ( رسولاً إلى بني إسرائيل ) في الصبا أو بعد البلوغ فنفخ جبريل في جيب درعها فحملت ، وكان من أمرها ما ذكر في سورة مريم فلما بعثه الله إلى بني إسرائيل قال لهم: إني رسول الله إليكم ( أني ) أي بأني ( قد جئتكم بآية ) علامة على صدقي ( من ربكم ) هي ( أني ) وفي قراءة بالكسر استئنافا ( أخلق ) أصور ( لكم من الطين كهيئة الطير ) فالكاف اسم مفعول ( فأنفخ فيه ) الضمير للكاف ( فيكون طيراً ) وفي قراءة طائر ( بإذن الله ) بإرادته فخلق لهم الخفاش لأنه أكمل الطير خلقا فكان يطير وهم ينظرونه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز فعل المخلوق من فعل الخالق وهو الله تعالى وليعلم أن الكمال لله ( وأبرِّئ ) أشفى ( الأكمه ) الذي ولد أعمى ( والأبرص ) وخُصا بالذكر لأنهما داءا إعياء وكان بعثه في زمن الطب فأبرأ في يوم خمسين ألفا بالدعاء بشرط الإيمان ( وأحيي الموتى بإذن الله ) كرره لنفي توهم الألوهية فيه فأحيا عازر صديقا له وابن العجوز وابنة العاشر فعاشوا وولد لهم ، وسام بن نوح ومات في الحال ( وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون ) تخبئون ( في بيوتكم ) مما لم أعاينه فكان يخبر الشخص بما أكل وبما يأكل بعد ( إن في ذلك ) المذكور ( لآية لكم إن كنتم مؤمنين )
50. ( و ) جئتكم ( مصدقا لما بين يدي ) قبلي ( من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) فيها فأحل لهم من السمك والطير ما لا صيصة له وقيل أحل الجميع فبعض بمعنى كل ( وجئتكم بآية من ربكم ) كرّره تأكيداً وليبني عليه ( فاتقوا الله وأطيعون ) فيما آمركم به من توحيد الله وطاعته
51. ( إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا ) الذي آمركم به ( صراط ) طريق ( مستقيم ) فكذبوه ولم يؤمنوا به
52. ( فلما أحس ) علم ( عيسى منهم الكفر ) وأرادوا قتله ( قال من أنصاري ) أعواني ذاهباً ( إلى الله ) لأنصر دينه ( قال الحواريون نحن أنصار الله ) أعوان دينه وهم أصفياء عيسى أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلا من الحور وهو البياض الخالص وقيل كانوا قصّارين يحورون الثياب أي يبيّضونها ( آمنا ) صدقنا ( بالله واشهد ) يا عيسى ( بأنا مسلمون )
53. ( ربنا آمنا بما أنزلت ) من الإنجيل ( واتبعنا الرسول ) عيسى ( فاكتبنا مع الشاهدين ) لك بالوحدانية ولرسولك بالصدق
54. قال تعالى: ( ومكروا ) أي كفار بني إسرائيل بعيسى إذ وكّلوا به من يقتله غيلة ( ومكر الله ) بهم بأن ألقى شبه عيسى على من قصد قتله فقتلوه ورفع عيسى إلى السماء ( والله خير الماكرين ) أعلمهم به
55. اذكر ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ) قابضك ( ورافعك إلي ) إلي من الدنيا من غير موت ( ومطهرك ) مبعدك ( من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك ) صدّقوا بنبوتك من المسلمين والنصارى ( فوق الذين كفروا ) بك وهم اليهود يعلونهم بالحجة والسيف ( إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ) من أمر الدين
56. ( فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ) بالقتل والسبي والجزية ( والآخرة ) بالنار ( وما لهم من ناصرين ) مانعين منه
57. ( وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفِّيهم ) بالياء والنون ( أجورهم والله لا يحب الظالمين ) أي يعاقبهم ، روي أن الله تعالى أرسل إليه سحابة فرفعته فتعلقت به أمه وبكت فقال لها إن القيامة تجمعنا وكان ذلك ليلة القدر ببيت المقدس وله ثلاث وثلاثون سنة ، وعاشت أمه بعده ست سنين وروى الشيخان حديث « أنه ينزل قرب الساعة ويحكم بشريعة نبينا ويقتل الدجال والخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية » وفي حديث مسلم أنه يمكث سبع سنين وفي حديث عن أبي داود الطيالسي أربعين سنة ويتوفى ويصلى عليه فيحتمل أن المراد مجموع لبثه في الأرض قبل الرفع وبعده
58. ( ذلك ) المذكور من أمر عيسى ( نتلوه ) نقصه ( عليك ) يا محمد ( من الآيات ) حال من الهاء في نتلوه وعامله ما في ذلك من معنى الإشارة ( والذكر الحكيم ) المحكم أي القرآن
59. ( إن مثل عيسى ) شأنه الغريب ( عند الله كمثل آدم ) كشأنه في خلقه من غير أم ولا أب وهو من تشبيه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأوقع في النفس ( خلقه من تراب ثم قال له كن ) بشراً ( فيكون ) أي فكان وكذلك عيسى قال له كن من غير أب فكان
60. ( الحق من ربك ) خبر مبتدأ محذوف أي أمر عيسى ( فلا تكن من الممترين ) الشاكين فيه
61. ( فمن حاجك ) جادلك من النصارى ( فيه من بعد ما جاءك من العلم ) بأمره ( فقل ) لهم ( تعالَوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ) فنجمعهم ( ثم نبتهل ) نتضرع في الدعاء ( فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) بأن نقول: اللهم العن الكاذب في شأن عيسى وقد دعا صلى الله عليه وسلم وفد نجران لذلك لما حاجوه به فقالوا: حتى ننظر في أمرنا ثم نأتيك فقال ذو رأيهم: لقد عرفتم نبوته وأنه ما باهل قوم نبيا إلا هلكوا فوادعوا الرجل وانصرفوا فأتوا الرسول صلى الله عليه وسلم وقد خرج ومعه الحسن والحسين وفاطمة وعلي وقال لهم: إذا دعوت فأمِّنوا فأبوا أن يلاعنوا وصالحوه على الجزية رواه أبو نُعيم ، وعن ابن عباس قال: لو خرج الذين يباهلون لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا ، وروي: لو خرجوا لاحترقوا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الوردة الحمراء
ADMIN
avatar

الجنس : انثى
عدد المساهمات : 9471
نقاط : 11011
تاريخ التسجيل : 05/06/2016
العمر : 51

المشاركة رقم 11 موضوع: رد: تفاسيرالقرآن متعدد لسوره كاملا 2018-03-25, 10:01 am

62. ( إن هذا ) المذكور ( لهو القصص ) الخبر ( الحق ) الذي لا شك فيه ( وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز ) في ملكه ( الحكيم ) في صنعه
63. ( فإن تولوا ) أعرضوا عن الإيمان ( فإن الله عليم بالمفسدين ) فيجازيهم وفيه وضع الظاهر موضع المضمر
64. ( قل يا أهل الكتاب ) اليهود والنصارى ( تعالَوا إلى كلمةٍ سواءٍ ) مصدر بمعنى مستو أمرها ( بيننا وبينكم ) هي ( أ ) ن ( لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ) كما اتخذتم الأحبار والرهبان ( فإن تولوا ) أعرضوا عن التوحيد ( فقولوا ) أنتم لهم ( اشهدوا بأنا مسلمون ) موحدون
65. ونزل لما قال اليهود: إبراهيم يهودي ونحن على دينه ، وقالت النصارى كذلك: ( يا أهل الكتاب لم تحاجُّون ) تخاصمون ( في إبراهيم ) بزعمكم أنه على دينكم ( وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ) بزمن طويل وبعد نزولهما حدثت اليهودية والنصرانية ( أفلا تعقلون ) بطلان قولكم
66. ( ها ) للتنبيه ( أنتم ) مبتدأ يا ( هؤلاء ) والخبر ( حاججتم فيما لكم به علم ) من أمر موسى وعيسى وزعمكم أنكم من دينهما ( فلم تحاجُّون فيما ليس لكم به علم ) من شأن إبراهيم ( والله يعلم ) شأنه ( وأنتم لا تعلمون ) قال تعالى تبرئة لإبراهيم:
67. ( ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً ) مائلاً عن الأديان كلها إلى الدين القيم ( مسلماً ) موحداً ( وما كان من المشركين )
68. ( إن أولى الناس ) أحقهم ( بإبراهيم للذين اتبعوه ) في زمانه ( وهذا النبي ) محمد لموافقته له في أكثر شرعه ( والذين آمنوا ) من أمته فهم الذين ينبغي أن يقولوا نحن على دينه لا أنتم ( والله ولي المؤمنين ) ناصرهم وحافظهم
69. ونزل لما دعا اليهود معاذاً وحذيفةَ وعماراً إلى دينهم: ( ودّت طائفة من أهل الكتاب لو يُضلُّونكم وما يُضلُّون إلا أنفسهم ) لأن إثم إضلالهم عليهم والمؤمنون لا يطيعونهم فيه ( وما يشعرون ) بذلك
70. ( يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله ) القرآن المشتمل على نعت محمد صلى الله عليه وسلم ( وأنتم تشهدون ) تعلمون أنه حق
71. ( يا أهل الكتاب لم تلبسون ) تخلطون ( الحق بالباطل ) بالتحريف والتزوير ( وتكتمون الحق ) أي نعت النبي ( وأنتم تعلمون ) أنه حق
72. ( وقالت طائفة من أهل الكتاب ) اليهود لبعضهم ( آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ) أي القرآن ( وجه النهار ) أوله ( واكفروا ) به ( آخره لعلهم ) أي المؤمنين ( يرجعون ) عن دينهم إذ يقولون ما رجع هؤلاء عنه بعد دخولهم فيه وهم أولو علم إلا لعلمهم بطلانه
73. وقالوا أيضا ( ولا تؤمنوا ) تصدقوا ( إلا لمن ) اللام زائدة ( تبع ) وافق ( دينكم ) قال تعالى: ( قل ) لهم يا محمد ( إن الهدى هدى الله ) الذي هو الإسلام وما عداه ضلال ، والجملة إعتراض ( أن ) أي بأن ( يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ) من الكتاب والحكمة والفضائل ، وأن مفعول تؤمنوا ، والمستثنى منه أحد قدم عليه المستثنى المعنى: لا تقروا بأن أحدا يؤتى ذلك إلا لمن اتبع دينكم ( أو ) بأن ( يحاجوكم ) أي المؤمنون يغلبوكم ( عند ربكم ) يوم القيامة لأنكم أصح دينا ، وفي قراءة: أأن بهمزة التوبيخ أي إيتاء أحد مثله تقرون به قال تعالى: ( قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ) فمن أين لكم أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ( والله واسع ) كثير الفضل ( عليم ) بمن هو أهله
74. ( يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم )
75. ( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار ) أي بمال كثير ( يؤده إليك ) لأمانته كعبد الله بن سلام أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية ذهباً فأداها إليه ( ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ) لخيانته ( إلا ما دمت عليه قائما ) لا تفارقه فمتى فارقته أنكره ككعب بن الأشرف استودعه قرشي ديناراً فجحده ( ذلك ) أي ترك الأداء ( بأنهم قالوا ) بسبب قولهم ( ليس علينا في الأميين ) أي العرب ( سبيل ) أي إثم لاستحلالهم ظلم من خالف دينهم ونسبوه إليه تعالى ، قال تعالى ( ويقولون على الله الكذب ) في نسبة ذلك إليه ( وهم يعلمون )
76. ( بلى ) عليهم فيه سبيل ( من أوفى بعهده ) الذي عاهد عليه أو بعهد الله إليه من أداء الأمانة وغيره ( واتقى ) الله بترك المعاصي وعمل الطاعات ( فإن الله يحب المتقين ) فيه وضع الظاهر موضع المضمر أي يحبهم بمعنى يثيبهم
77. ونزل في اليهود لما بدلوا نعت النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الله إليهم في التوراة وفيمن حلف كاذباً في دعوى أو في بيع سلعة: ( إن الذين يشترون ) يستبدلون ( بعهد الله ) إليهم في الإيمان بالنبي وأداء الأمانة ( وأيمانهم ) حلفهم به تعالى كاذبين ( ثمنا قليلا ) من الدنيا ( أولئك لا خلاق ) نصيب ( لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ) غضبا ( ولا ينظر إليهم ) يرحمهم ( يوم القيامة ولا يزكيهم ) يطهرهم ( ولهم عذاب أليم ) مؤلم
78. ( وإن منهم ) أي أهل الكتاب ( لفريقاً ) طائفة ككعب بن الأشرف ( يلوُون ألسنتهم بالكتاب ) أي يعطفونها بقراءته عن المنزل إلى ما حرفوه من نعت النبي صلى الله عليه وسلم ونحوه ( لتحسبوه ) أي المحرَّف ( من الكتاب ) الذي أنزله الله ( وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) أنهم كاذبون
79. ونزل لما قال نصارى نجران إن عيسى أمرهم أن يتخذوه رباً ولما طلب بعض المسلمين السجود له صلى الله عليه وسلم ( ما كان ) ينبغي ( لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم ) أي الفهم للشريعة ( والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن ) يقول ( كونوا ربانيين ) علماء عاملين منسوبين إلى الرب بزيادة ألف ونون تفخيما ( بما كنتم تَعْلَمون ) بالتخفيف والتشديد ( الكتاب وبما كنتم تدرسون ) أي بسبب ذلك فإن فائدته أن تعملوا
80. ( ولا يأمرُكم ) بالرفع استئنافا أي الله ، والنصب عطفاً على يقول أي البشر ( أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ) كما اتخذت الصابئة الملائكة واليهود عزيراً والنصارى عيسى ( أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) لا ينبغي له هذا
81. ( و ) اذكر ( إذ ) حين ( أخذ الله ميثاق النبيين ) عهدهم ( لَما ) بفتح اللام للابتداء وتوكيد معنى القسم الذي في أخذ الميثاق وكسرها متعلقة بأخذ وما موصولة على الوجهين أي للذي ( آتيتكم ) إياه ، وفي قراءةٍ { آتيناكم } ( من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ) من الكتاب والحكمة وهو محمد صلى الله عليه وسلم ( لتؤمنن به ولتنصرنه ) جواب القسم إن أدركتموه وأممهم تبع لهم في ذلك ( قال ) تعالى لهم ( أأقررتم ) بذلك ( وأخذتم ) قبلتم ( على ذلكم إصري ) عهدي ( قالوا أقررنا قال فاشهدوا ) على أنفسكم وأتباعكم بذلك ( وأنا معكم من الشاهدين ) عليكم وعليهم
82. ( فمن تولى ) أعرض ( بعد ذلك ) الميثاق ( فأولئك هم الفاسقون )
83. ( أفغير دين الله يبغون ) بالياء والتاء أي المتولون ( وله أسلم ) انقاد ( من في السماوات والأرض طوعاً ) بلا إباء ( وكرهاً ) بالسيف ومعاينة ما يلجئ إليه ( وإليه تُرجعون ) بالتاء والياء والهمزة في أول الآية للإنكار
84. ( قل ) لهم يا محمد ( آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ) أولاده ( وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ) بالتصديق والتكذيب ( ونحن له مسلمون ) مخلصون في العبادة. ونزل فيمن ارتد ولحق بالكفار:
85. ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) لمصيره إلى النار المؤيدة عليه
86. ( كيف ) أي لا ( يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا ) أي شهادتهم ( أن الرسول حق و ) قد ( جاءهم البينات ) الحجج الظاهرات على صدق النبي ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) أي الكافرين
87. ( أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين )
88. ( خالدين فيها ) أي اللعنة أو النار المدلول بها عليها ( لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ) يمهلون
89. ( إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ) عملهم ( فإن الله غفور ) لهم ( رحيم ) بهم
90. ونزل في اليهود ( إن الذين كفروا ) بعيسى ( بعد إيمانهم ) بموسى ( ثم ازدادوا كفراً ) بمحمد ( لن تقبل توبتهم ) إذا غرغروا أو ماتوا كفارا ( وأولئك هم الضالون )
91. ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ) مقدار ما يملؤها ( ذهباً ولو افتدى به ) أدخل الفاء في خبر إن لشبه الذين بالشرط وإيذاناً بتسبب عدم القبول عن الموت على الكفر ( أولئك لهم عذاب أليم ) مؤلم ( وما لهم من ناصرين ) مانعين منه
92. ( لن تنالوا البر ) أي ثوابه وهو الجنة ( حتى تنفقوا ) تَصَّدَّقوا ( مما تحبون ) من أموالكم ( وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ) فيجازي عليه
93. ونزل لما قال اليهود إنك تزعم أنك على ملة إبراهيم وكان لا يأكل لحوم الإبل وألبانها: ( كلُّ الطعام كان حِلاً ) حلالاً ( لبني إسرائيل إلا ما حرَّم إسرائيل ) يعقوب ( على نفسه ) وهو الإبل لما حصل له عرق النسا بالفتح والقصر فنذر إن شفي لا يأكلها فحُرِّم عليه ( من قبل أن تنزل التوراة ) وذلك بعد إبراهيم ولم تكن على عهده حراما كما زعموا ( قل ) لهم ( فأتوا بالتوراة فاتلوها ) ليتبين صدق قولكم ( إن كنتم صادقين ) فيه فبهتوا ولم يأتوا بها قال تعالى:
94. ( فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك ) أي ظهور الحجة بأن التحريم إنما كان من جهة يعقوب لا على عهد إبراهيم ( فأولئك هم الظالمون ) المتجاوزون الحق إلى الباطل
95. ( قل صدق الله ) في هذا كجميع ما أخبر به ( فاتبعوا ملة إبراهيم ) التي أنا عليها ( حنيفاً ) مائلاً عن كل دين إلى الإسلام ( وما كان من المشركين )
96. ونزل لما قالوا قبلتنا قبل قبلتكم ( إن أول بيت وضع ) مُتعَبدَّاً ( للناس ) في الأرض ( للذي ببكة ) بالباء لغة في مكة سميت بذلك لأنها تَبُكُّ أعناق الجبابرة أي تدقها ، بناه الملائكة قبل خلق آدم ووضع بعده الأقصى وبينهما أربعون سنة كما في حديث الصحيحين وفي حديث « أنه أول ما ظهر على وجه الماء عند خلق السماوات والأرض زبدة بيضاء فدحيت الأرض من تحته » ( مباركاً ) حال من الذي أي ذا بركة ( وهدى للعالمين ) لأنه قبلتهم
97. ( فيه آيات بينات ) منها ( مقام إبراهيم ) أي الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت فأثر قدماه فيه وبقي إلى الآن مع تطاول الزمان وتداول الأيدي عليه ومنها تضعيف الحسنات فيه وأن الطير لا يعلوه ( ومن دخله كان آمنا ) لا يتعرض إليه بقتل أو ظلم أو غير ذلك ( ولله على الناس حِجُّ البيت ) واجب بكسر الحاء وفتحها لغتان في مصدر حج قصد ويبدل من الناس ( من استطاع إليه سبيلاً ) طريقاً فسَّرَه صلى الله عليه وسلم بالزاد والراحلة رواه الحاكم وغيره ( ومن كفر ) بالله أو بما فرضه من الحج ( فإن الله غني عن العالمين ) الإنس والجن والملائكة وعن عبادتهم
98. ( قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله ) القرآن ( والله شهيد على ما تعملون ) فيجازيكم عليه
99. ( قل يا أهل الكتاب لم تصدون ) تصرفون ( عن سبيل الله ) أي دينه ( من آمن ) بتكذيبكم النبي وكتم نعمته ( تبغونها ) أي تطلبون السبيل ( عِوَجاً ) مصدر بمعنى معوجة أي مائلة عن الحق ( وأنتم شهداء ) عالمون بأن الدين المرضي القيم دين الإسلام كما في كتابكم ( وما الله بغافل عما تعملون ) من الكفر والتكذيب وإنما يؤخركم إلى وقتكم ليجازيكم
100. ونزل لما مر بعض اليهود على الأوس والخزرج وغاظهم تألفهم فذكروهم بما كان بينهم في الجاهلية من الفتن فتشاجروا وكادوا يقتتلون: ( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين )
101. ( وكيف تكفرون ) استفهام تعجب وتوبيخ ( وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم ) يتمسك ( بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم )
102. ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ) بأن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى فقالوا يا رسول الله و من يقوى على هذا فنسخ بقوله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } ( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) موحدون
103. ( واعتصموا ) تمسكوا ( بحبل الله ) أي دينه ( جميعا ولا تفرقوا ) بعد الإسلام ( واذكروا نعمة الله ) إنعامه ( عليكم ) يا معشر الأوس والخزرج ( إذ كنتم ) قبل الإسلام ( أعداءً فألف ) جمع ( بين قلوبكم ) بالإسلام ( فأصبحتم ) فصرتم ( بنعمته إخواناً ) في الدين والولاية ( وكنتم على شفا ) طرف ( حفرة من النار ) ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا كفاراً ( فأنقذكم منها ) بالإيمان ( كذلك ) كما بين لكم ما ذكر ( يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون )
104. ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ) الإسلام ( ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك ) الداعون الآمرون الناهون ( هم المفلحون ) الفائزون ، ومن للتبعيض لأن ما ذكر فرض كفاية لا يلزم كل الأمة ولا يليق بكل أحد كالجاهل. وقيل زائدة أي لتكونوا أمة.
105. ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا ) عن دينهم ( واختلفوا ) فيه ( من بعد ما جاءهم البينات ) وهم اليهود والنصارى ( وأولئك لهم عذاب عظيم )
106. ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) أي يوم القيامة ( فأما الذين اسودت وجوههم ) وهم الكافرون فيلقون في النار ويقال لهم توبيخا ( أكفرتم بعد إيمانكم ) يوم أخذ الميثاق ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون )
107. ( وأما الذين ابيضت وجوههم ) وهم المؤمنون ( ففي رحمة الله ) أي جنته ( هم فيها خالدون )
108. ( تلك ) أي هذه الآيات ( آيات الله نتلوها عليك ) يا محمد ( بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين ) بأن يأخذهم بغير جرم
109. ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) مُلكاً وخلقاً وعبيداً ( وإلى الله تُرجع ) تصير ( الأمور )
110. ( كنتم ) يا أمة محمد في علم الله تعالى ( خير أمة أخرجت ) أظهرت ( للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان ) الإيمان ( خيراً لهم منهم المؤمنون ) كعبد الله بن سلام رضي الله عنه وأصحابه ( وأكثرهم الفاسقون ) الكافرون
111. ( لن يضروكم ) أي اليهود يا معشر المسلمين بشيء ( إلا أذى ) باللسان من سب ووعيد ( وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ) منهزمين ( ثم لا ينصرون ) عليكم بل لكم النصر عليهم
112. ( ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا ) حيثما وجدوا فلا عز لهم ولا اعتصام ( إلا ) كائنين ( بحبل من الله وحبل من الناس ) المؤمنين وهو عهدهم إليهم بالأمان على أداء الجزية أي لا عصمة لهم غير ذلك ( وباؤوا ) رجعوا ( بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم ) أي بسبب أنهم ( كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك ) تأكيد ( بما عصوا ) أمر الله ( وكانوا يعتدون ) يتجاوزون الحلال إلى الحرام
113. ( ليسوا ) أي أهل الكتاب ( سواء ) مستوين ( من أهل الكتاب أمة قائمة ) مستقيمة ثابتة على الحق كعبد الله بن سلام رضي الله عنه وعن أصحابه ( يتلون آيات الله آناء الليل ) أي في ساعاته ( وهم يسجدون ) يصلون ، حال.
114. ( يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك ) الموصوفون بما ذكر الله ( من الصالحين ) ومنهم من ليسوا كذلك وليسوا من الصالحين
115. ( وما تفعلوا ) بالتاء أيتها الأمة والياء أي الأمة القائمة ( من خير فلن تكفروه ) بالوجهين أي يعدموا ثوابه بل يجازون عليه ( والله عليم بالمتقين )
116. ( إن الذين كفروا لن تغني ) تدفع ( عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ) أي من عذابه ( شيئاً ) وخصهما بالذكر لأن الإنسان يدفع عن نفسه تارة بفداء المال وتارة بالاستعانة بالأولاد ( وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )
117. ( مثل ) صفة ( ما ينفقون ) أي الكفار ( في هذه الحياة الدنيا ) في عداوة النبي من صدقة ونحوها ( كمثل ريح فيها صِرٌّ ) حر أو برد شديد ( أصابت حرث ) زرع ( قوم ظلموا أنفسهم ) بالكفر والمعصية ( فأهلكته ) فلم ينتفعوا به فكذلك نفقاتهم ذاهبة لا ينتفعون بها ( وما ظلمهم الله ) بضياع نفقاتهم ( ولكن أنفسهم يظلمون ) بالكفر الموجب لضياعها
118. ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بِطانة ) أصفياء تطلعونهم على سركم ( من دونكم ) أي غيركم من اليهود والنصارى والمنافقين ( لا يألونكم خبالا ) نصب بنزع الخافض أي لا يقصرون لكم في الفساد ( وَدُّوا ) تمنوا ( ما عنتُّم ) أي عنتكم وهو شدة الضرر ( قد بدت ) ظهرت ( البغضاء ) العداوة لكم ( من أفواههم ) بالوقيعة فيكم وإطلاع المشركين على سركم ( وما تخفي صدورهم ) من العداوة ( أكبر قد بينا لكم الآيات ) على عداوتهم ( إن كنتم تعقلون ) ذلك فلا توالوهم
119. ( ها ) للتنبيه ( أنتم ) يا ( أولاء ) المؤمنين ( تحبونهم ) لقرابتهم منكم وصداقتهم ( ولا يحبونكم ) لمخالفتهم لكم في الدين ( وتؤمنون بالكتاب كله ) أي بالكتب كلها ولا يؤمنون بكتابكم ( وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل ) أطراف الأصابع ( من الغيظ ) شدة الغضب لما يرون من ائتلافكم ، ويعبر عن شدة الغضب بعض الأنامل مجازا وإن لم يكن ثم عض ( قل موتوا بغيظكم ) أي ابقوا عليه إلى الموت فلن تروا ما يسركم ( إن الله عليم بذات الصدور ) بما في القلوب ومنه ما يضمره هؤلاء
120. ( إن تمسسكم ) تصبكم ( حسنة ) نعمة كنصر وغنيمة ( تسؤهم ) تحزنهم ( وإن تصبكم سيئة ) كهزيمة وجدب ( يفرحوا بها ) وجملة الشرط متصلة بالشرط قبل وما بينهما اعتراض والمعنى أنهم متناهون في عداوتكم فلم توالوهم فاجتنبوهم ( وإن تصبروا ) على أذاهم ( وتتقوا ) الله في موالاتهم وغيرها ( لا يَضِرْكم ) بكسر الضاد وسكون الراء وضمها وتشديدها ( كيدهم شيئا إن الله بما يعملون ) بالياء والتاء ( محيط ) عالم فيجازيهم به
121. ( و ) اذكر يا محمد ( إذ غدوت من أهلك ) من المدينة ( تبوئ ) تنزل ( المؤمنين مقاعد ) مراكز يقفون فيها ( للقتال والله سميع ) لأقوالكم ( عليم ) بأحوالكم ، وهو يوم أُحد خرج النبي صلى الله عليه وسلم بألف أو إلا خمسين رجلاً والمشركون ثلاثة آلاف ونزل بالشعب يوم السبت سابع شوال سنة ثلاثة من الهجرة وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وسوى صفوفهم وأجلس جيشاً من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير بسفح الجبل وقال: أنضحوا عنا بالنبل لا يأتوا من ورائنا ولا تبرحوا غلبنا أو نصرنا
122. ( إذ ) بدل من إذ قبله ( همت ) بنو سلِمة وبنو حارثة جناحا العسكر ( طائفتان منكم أن تفشلا ) تجبنا عن القتال وترجعا لما رجع عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا وقال لأبي جابر السلمي القائل له أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم: لو نعلم قتالا لاتبعناكم فثبتهما الله ولم ينصرفا ( والله وليهما ) ناصرهما ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) ليثقوا به دون غيره
123. ونزل لما هزموا تذكيراً لهم بنعمة الله: ( ولقد نصركم الله ببدر ) موضع بين مكة والمدينة ( وأنتم أذلة ) بقلة العدد والسلاح ( فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) نعمه
124. ( إذ ) ظرف لنصركم ( تقول للمؤمنين ) توعدهم تطمينا ( ألن يكفيكم أن يمدكم ) يعينكم ( ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة مُنْزَلين ) بالتخفيف والتشديد
125. ( بلى ) يكفيكم ذلك ، وفي الأنفال بألْف لأنه أمدهم أولا بها ثم صارت ثلاثة ثم صارت خمسة كما قال تعالى ( إن تصبروا ) على لقاء العدو ( وتتقوا ) الله في المخالفة ( ويأتوكم ) أي المشركون ( من فورهم ) وقتهم ( هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين ) بكسر الواو وفتحها أي معلَّمين وقد صبروا وأنجز الله وعده بأن قاتلت معهم الملائكة على خيل بلق عليهم عمائم صفر أو بيض أرسلوها بين أكتافهم
126. ( وما جعله الله ) أي الإمداد ( إلا بشرى لكم ) بالنصر ( ولتطمئن ) تسكن ( قلوبكم به ) فلا تجزع من كثرة العدو وقلتكم ( وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ) يؤتيه من يشاء وليس بكثرة الجند
127. ( ليقطع ) متعلق بنَصَرَكم أي ليهلك ( طرفاً من الذين كفروا ) بالقتل والأسر ( أو يكبتهم ) يذلهم بالهزيمة ( فينقلبوا ) يرجعوا ( خائبين ) لم ينالوا ما راموه
128. ولما كسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم وشج وجهه يوم أحد وقال: « كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم » نزلت: ( ليس لك من الأمر شيء ) بل الأمر لله فاصبر ( أو ) بمعنى إلى أن ( يتوب عليهم ) بالإسلام ( أو يعذبهم فإنهم ظالمون ) بالكفر
129. ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) ملكاً وخلقاً وعبيداً ( يغفر لمن يشاء ) المغفرة له ( ويعذب من يشاء ) تعذيبه ( والله غفور ) لأوليائه ( رحيم ) بأهل طاعته
130. ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة ) بألف و دونها بأن تزيدوا في المال عند حلول الأجل وتؤخروا الطلب ( واتقوا الله ) بتركه ( لعلكم تفلحون ) تفوزون
131. ( واتقوا النار التي أعدت للكافرين ) أن تعذبوا بها
132. ( وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون )
133. ( وسارعوا ) بواو ودونها ( إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض ) أي كعرضهما لو وصلت إحداهما بالأخرى ، والعرض السعة ( أعدت للمتقين ) الله بعمل الطاعات وترك المعاصي
134. ( الذين ينفقون ) في طاعة الله ( في السراء والضراء ) اليسر والعسر ( والكاظمين الغيظ ) الكافين عن إمضائه مع القدرة ( والعافين عن الناس ) ممن ظلمهم أي التاركين عقوبتهم ( والله يحب المحسنين ) بهذه الأفعال ، أي يثيبهم
135. ( والذين إذا فعلوا فاحشة ) ذنباً قبيحاً كالزنا ( أو ظلموا أنفسهم ) بما دونه كالقبلة ( ذكروا الله ) أي وعيده ( فاستغفروا لذنوبهم ومن ) أي لا ( يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا ) يداوموا ( على ما فعلوا ) بل أقلعوا عنه ( وهم يعلمون ) أن الذي أتوه معصية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الوردة الحمراء
ADMIN
avatar

الجنس : انثى
عدد المساهمات : 9471
نقاط : 11011
تاريخ التسجيل : 05/06/2016
العمر : 51

المشاركة رقم 12 موضوع: رد: تفاسيرالقرآن متعدد لسوره كاملا 2018-03-25, 10:02 am

136. ( أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ) حال مقدرة ، أي مقدرين الخلود فيها إذا دخلوها ( ونعم أجر العاملين ) بالطاعة هذا الأجر
137. ونزل في هزيمة أحد: ( قد خلت ) مضت ( من قبلكم سنن ) طرائق في الكفار بإمهالهم ثم أخذهم ( فسيروا ) أيها المؤمنون ( في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) الرسل أي آخر أمرهم من الهلاك فلا تحزنوا لغلبتهم فأنا أمهلهم لوقتهم
138. ( هذا ) القرآن ( بيان للناس ) كلهم ( وهدى ) من الضلالة ( وموعظة للمتقين ) منهم
139. ( ولا تهنوا ) تضعفوا عن قتال الكفار ( ولا تحزنوا ) على ما أصابكم بأحد ( وأنتم الأعلون ) بالغلبة عليهم ( إن كنتم مؤمنين ) حقاً وجوابه دل عليه مجموع ما قبله
140. ( إن يمسسكم ) يصبكم بأُحُد ( قَرح ) بفتح القاف وضمها: جهد من جرح ونحوه ( فقد مس القوم ) الكفار ( قرح مثله ) ببدر ( وتلك الأيام نداولها ) نصرفها ( بين الناس ) يوما لفرقة ويوما لأخرى ليتعظوا ( وليعلم الله ) علم ظهور ( الذين آمنوا ) أخلصوا في إيمانهم من غيرهم ( ويتخذ منكم شهداء ) يكرمهم بالشهادة ( والله لا يحب الظالمين ) الكافرين أي يعاقبهم وما ينعم به عليهم استدراج
141. ( وليمحص الله الذين آمنوا ) يطهرهم من الذنوب بما يصيبهم ( ويمحق ) يهلك ( الكافرين )
142. ( أم ) بل أ ( حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ) لم ( يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) علم ظهور ( ويعلم الصابرين ) في الشدائد
143. ( ولقد كنتم تمنَّون ) فيه حذف إحدى التاءين في الأصل ( الموت من قبل أن تلقوه ) حيث قلتم: ليت لنا يوما كيوم بدر لننال ما نال شهداؤه ( فقد رأيتموه ) أي سببه الحرب ( وأنتم تنظرون ) أي بصراء تتأملون الحال كيف هي فلم انهزمتم ؟ ونزل في هزيمتهم لما أشيع أن النبي قتل وقال لهم المنافقون إن كان قتل فارجعوا إلى دينكم:
144. ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ) كغيره ( انقلبتم على أعقابكم ) رجعتم إلى الكفر ، والجملة الأخيرة محل الاستفهام الإنكاري أي ما كان معبودا فترجعوا ( ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ) وإنما يضر نفسه ( وسيجزي الله الشاكرين ) نعمه بالثبات
145. ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله ) بقضائه ( كتاباً ) مصدر أي: كتب الله ذلك ( مؤجلاً ) مؤقتاً لا يتقدم ولا يتأخر فلم انهزمتم! والهزيمة لا تدفع الموت والثبات لا يقطع الحياة ( ومن يرد ) بعمله ( ثواب الدنيا ) أي جزاءه منها ( نؤته منها ) ما قسم له ولاحظ له في الآخرة ( ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ) أي من ثوابها ( وسنجزي الشاكرين )
146. ( وكأين ) كم ( من نبي قاتل ) وفي قراءة { قتل } والفاعل ضميره ( معه ) خبر مبتدؤه ( رِبِّيُون كثير ) جموع كثيرة ( فما وهنوا ) جبنوا ( لما أصابهم في سبيل الله ) من الجراد وقتل أنبيائهم وأصحابهم ( وما ضعفوا ) عن الجهاد ( وما استكانوا ) خضعوا لعدوهم كما فعلتم حين قيل قتل النبي ( والله يحب الصابرين ) على البلاء أي يثيبهم
147. ( وما كان قولهم ) عند قتل نبيهم مع ثباتهم وصبرهم ( إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا ) تجاوزنا الحد ( في أمرنا ) إيذاناً بأن ما أصابهم لسوء فعلهم وهضماً لأنفسهم ( وثبت أقدامنا ) بالقوة على الجهاد ( وانصرنا على القوم الكافرين )
148. ( فآتاهم الله ثواب الدنيا ) النصر والغنيمة ( وحسن ثواب الآخرة ) أي الجنة ، وحسنه التفضيل فوق الاستحقاق ( والله يحب المحسنين )
149. ( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا ) فيما يأمرونكم به ( يردوكم ) إلى الكفر ( على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين )
150. ( بل الله مولاكم ) ناصركم ( وهو خير الناصرين ) فأطيعوه دونهم
151. ( سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعْب ) بسكون العين وضمها الخوف ، وقد عزموا بعد ارتحالهم من أحد على العود واستئصال المسلمين فرعبوا ولم يرجعوا ( بما أشركوا ) بسبب إشراكهم ( بالله ما لم ينزل به سلطانا ) حجة على عبادته وهو الأصنام ( ومأواهم النار وبئس مثوى ) مأوى ( الظالمين ) الكافرين هي
152. ( ولقد صدقكم الله وعده ) إياكم بالنصر ( إذ تحسونهم ) تقتلونهم ( بإذنه ) بإرادته ( حتى إذا فشلتم ) جبنتم عن القتال ( وتنازعتم ) اختلفتم ( في الأمر ) أي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمقام في سفح الجبل للرمي فقال بعضكم: نذهب فقد نصر أصحابنا ، وبعضكم: لا نخالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم ( وعصيتم ) أمره فتركتم المركز لطلب الغنيمة ( من بعد ما أراكم ) الله ( ما تحبون ) من النصر وجواب إذا دل عليه ما قبله أي منعكم نصره ( منكم من يريد الدنيا ) فترك المركز للغنيمة ( ومنكم من يريد الآخرة ) فثبت به حتى قتل كعبد الله بن جبير وأصحابه ( ثم صرفكم ) عطف على جواب إذا المقدر ، رَدَّكم بالهزيمة ( عنهم ) أي الكفار ( ليبتليكم ) ليمتحنكم فيظهر المخلص من غيره ( ولقد عفا عنكم ) ما ارتكبتموه ( والله ذو فضل على المؤمنين ) بالعفو
153. اذكروا ( إذ تصعدون ) تبعدون في الأرض هاربين ( ولا تلوون ) تعرجون ( على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ) أي من ورائكم يقول: إليَّ عباد الله ( فأثابكم ) فجازاكم ( غمَّا ) بالهزيمة ( بغمٍّ ) بسبب غمكم للرسول بالمخالفة وقيل الباء بمعنى على ، أي مضاعفا على غم فوت الغنيمة ( لكيلا ) متعلق بعفا أو بأثابكم ( تحزنوا على ما فاتكم ) من الغنيمة ( ولا ما أصابكم ) من القتل والهزيمة ( والله خبير بما تعملون )
154. ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنةً ) أمناً ( نعاساً ) بدل ( يغشى ) بالياء والتاء ( طائفةً منكم ) وهم المؤمنون فكانوا يميدون تحت الحجف وتسقط السيوف منهم ( وطائفةٌ قد أهمتهم أنفسهم ) أي حملتهم على الهم فلا رغبة لهم إلا نجاتها دون النبي وأصحابه فلم يناموا وهم المنافقون ( يظنون بالله ) ظناً ( غير ) الظن ( الحق ظن ) أي كظن ( الجاهلية ) حيث اعتقدوا أن النبي قتل أو لا ينصر ( يقولون هل ) ما ( لنا من الأمر ) أي النصر الذي وعدناه ( من ) زائدة ( شيء قل ) لهم ( إن الأمر كله ) بالنصب توكيداً والرفع مبتدأ وخبره ( لله ) أي القضاء له يفعل ما يشاء ( يخفون في أنفسهم ما لا يبدون ) يظهرون ( لك يقولون ) بيان لما قبله ( لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ) أي لو كان الاختيار إلينا لم نخرج فلم نقتل لكن أخرجنا كرها ( قل ) لهم ( لوكنتم في بيوتكم ) وفيكم من كتب الله عليه القتل ( لبرز ) خرج ( الذين كتب ) قضي ( عليهم القتل ) منكم ( الى مضاجعهم ) مصارعهم فيقتلوا ولم ينجهم قعودهم لأن قضاءه تعالى كائن لا محالة ( و ) فعل ما فعل بأحد ( ليبتلي ) يختبر ( الله ما في صدوركم ) قلوبكم من الإخلاص والنفاق ( وليمحص ) يميز ( ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور ) بما في القلوب لا يخفى عليه شيء وإنما يبتلي ليظهر للناس
155. ( إن الذين تولوا منكم ) عن القتال ( يوم التقى الجمعان ) جمع المسلمين وجمع الكفار بأحد وهم المسلمون إلا اثنى عشر رجلاً ( إنما استزلهم ) أزلهم ( الشيطان ) بوسوسته ( ببعض ما كسبوا ) من الذنوب وهو مخالفة أمر النبي ( ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور ) للمؤمنين ( حليم ) لا يعجل على العصاة
156. ( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا ) أي المنافقين ( وقالوا لإخوانهم ) أي في شأنهم ( إذا ضربوا ) سافروا ( في الأرض ) فماتوا ( أو كانوا غُزَّىً ) جمع غاز ، فقتلوا ( لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ) أي لا تقولوا كقولهم ( ليجعل الله ذلك ) القول في عاقبة أمرهم ( حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت ) فلا يمنع عن الموت قعود ( والله بما تعملون ) بالتاء والياء ( بصير ) فيجازيكم به
157. ( ولئن ) لام قسم ( قتلتم في سبيل الله ) أي الجهاد ( أو مُتم ) بضم الميم وكسرها من مات يموت أتاكم الموت فيه ( لمغفرة ) كائنة ( من الله ) لذنوبكم ( ورحمة ) منه لكم على ذلك واللام ومدخولها جواب القسم وهي موضع الفعل مبتدأ خبره ( خير مما تجمعون ) من الدنيا بالتاء والياء
158. ( ولئن ) لام قسم ( مُتم ) بالوجهين ( أو قتلتم ) في الجهاد وغيره ( لإلى الله ) لا إلى غيره ( تحشرون ) في الآخرة فيجازيكم
159. ( فبما رحمة من الله لنت ) يا محمد ( لهم ) أي سهلت أخلاقك إذ خالفوك ( ولو كنت فظاً ) سيِّء الأخلاق ( غليظ القلب ) جافيا فأغلظت لهم ( لانفضوا ) تفرقوا ( من حولك فاعف ) تجاوز ( عنهم ) ما أتوه ( واستغفر لهم ) ذنبهم حتى أغفر لهم ( وشاورهم ) استخرج آراءهم ( في الأمر ) أي شأنك من الحرب وغيره تطييبا لقلوبهم وليستن بك وكان صلى الله عليه وسلم كثير المشاورة لهم ( فإذا عزمت ) على إمضاء ما تريد بعد المشاورة ( فتوكل على الله ) ثق بعد المشاورة ( إن الله يحب المتوكلين ) عليه
160. ( إن ينصركم الله ) يعنكم على عدوكم كيوم بدر ( فلا غالب لكم وإن يخذلكم ) يترك نصركم كيوم أحد ( فمن ذا الذي ينصركم من بعده ) أي بعد خذلانه أي لا ناصر لكم ( وعلى الله ) لا غيره ( فليتوكل ) ليثق ( المؤمنون )
161. ونزلت لما فقدت قطيفة حمراء يوم أحد فقال بعض الناس: لعل النبي أخذها ( وما كان ) ما ينبغي ( لنبي أن يَغُل ) يخون في الغنيمة فلا تظنوا به ذلك ، وفي قراءة بالبناء للمفعول أن ينسب إلى الغلول ( ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ) حاملاً له على عنقه ( ثم توفى كل نفس ) الغال وغيره جزاء ( ما كسبت ) عملت ( وهم لا يظلمون ) شيئا
162. ( أفمن اتبع رضوان الله ) فأطاع ولم يغل ( كمن باء ) رجع ( بسخط من الله ) لمعصيته وغلوله ( ومأواه جهنم وبئس المصير ) أي المرجع ؟ والجواب: لا
163. ( هم درجات ) أي أصحاب درجات ( عند الله ) أي مختلفو المنازل فلمن اتبع رضوانه الثواب ولمن باء بسخطه العقاب ( والله بصير بما يعملون ) فيجازيهم به
164. ( لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم ) أي عربيا مثلهم ليفهموا عنه ويشرفوا به لا ملكاً ولا أعجمياً ( يتلو عليهم آياته ) القرآن ( ويزكيهم ) يطهرهم من الذنوب ( ويعلمهم الكتاب ) القرآن ( والحكمة ) السنة ( وإن ) مخففة أي إنهم ( كانوا من قبل ) أي قبل بعثه ( لفي ضلال مبين ) بيِّن
165. ( أو لما أصابتكم مصيبة ) بأحد بقتل سبعين منكم ( قد أصبتم مثليها ) ببدر بقتل سبعين وأسر سبعين منهم ( قلتم ) متعجبين ( أنى ) من أين لنا ( هذا ) الخذلان ونحن مسلمون ورسول الله فينا ، الجملة الأخيرة محل الاستفهام الإنكاري ( قل ) لهم ( هو من عند أنفسكم ) لأنكم تركتم المركز فخذلتم ( إن الله على كل شيء قدير ) ومنه النصر ومنعه وقد جازاكم بخلافكم
166. ( وما أصابكم يوم التقى الجمعان ) بأحد ( فبإذن الله ) بإرادته ( وليعلم ) الله علم ظهور ( المؤمنين ) حقاً
167. ( وليعلم الذين نافقوا و ) الذين ( قيل لهم ) لما انصرفوا عن القتال وهم عبد الله بن أبي وأصحابه ( تعالوا قاتلوا في سبيل الله ) أعداءه ( أو ادفعوا ) عنا القوم بتكثير سوادكم إن لم تقاتلوا ( قالوا لو نعلم ) نحسن ( قتالاً لاتبعناكم ) قال تعالى تكذيبا لهم: ( هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان ) بما أظهروا من خذلانهم للمؤمنين وكانوا قبل أقرب إلى الإيمان من حيث الظاهر ( يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) ولو علموا قتالاً لم يتبعوكم ( والله أعلم بما يكتمون ) من النفاق
168. ( الذين ) بدل من الذين قبله أو نعت ( قالوا لإخوانهم ) في الدين ( و ) قد ( قعدوا ) عن الجهاد ( لو أطاعونا ) أي شهداء أحد أو إخواننا في القعود ( ما قتلوا قل ) لهم ( فادرؤوا ) ادفعوا ( عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ) في أن القعود ينجي منه
169. ونزل في الشهداء: ( ولا تحسبن الذين قتلوا ) بالتخفيف والتشديد ( في سبيل الله ) أي لأجل دينه ( أمواتاً بل ) هم ( أحياء عند ربهم ) أرواحهم في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت كما ورد في الحديث ( يرزقون ) يأكلون من ثمار الجنة
170. ( فرحين ) حال من ضمير يرزقون ( بما آتاهم الله من فضله و ) هم ( ويستبشرون ) يفرحون ( بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ) من إخوانهم المؤمنين ويبدل من الذين ( أ ) ن أي بأن ( لاخوف عليهم ) أي الذين لم يلحقوا بهم ( ولا هم يحزنون ) في الآخرة المعنى يفرحون بأمنهم وفرحهم
171. ( يستبشرون بنعمة ) ثواب ( من الله وفضل ) زيادة عليه ( وأن ) بالفتح عطفا على نعمة وبالكسر استئنافا ( الله لا يضيع أجر المؤمنين ) بل يأجرهم
172. ( الذين ) مبتدأ ( استجابوا لله والرسول ) دعاءه بالخروج للقتال لما أراد أبو سفيان وأصحابه العود وتواعدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه سوق بدر العام المقبل من يوم أحد ( من بعد ما أصابهم القرح ) بأحد وخبر المبتدأ ( للذين أحسنوا منهم ) بطاعته ( واتقوا ) مخالفته ( أجر عظيم ) هو الجنة
173. ( الذين ) بدل من الذين قبله أو نعت ( قال لهم الناس ) أي نعيم بن مسعود الأشجعي ( إن الناس ) أبا سفيان وأصحابه ( قد جمعوا لكم ) الجموع ليستأصلوكم ( فاخشوهم ) ولا تأتوهم ( فزادهم ) ذلك القول ( إيماناً ) تصديقاً بالله ويقيناً ( وقالوا حسبنا الله ) كافينا أمرهم ( ونعم الوكيل ) المفوض إليه الأمر هو ، وخرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فوافوا سوق بدر وألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان وأصحابه فلم يأتوا وكان معهم تجارات فباعوا وربحوا قال الله تعالى:
174. ( فانقلبوا ) رجعوا من بدر ( بنعمة من الله وفضل ) بسلامة وربح ( لم يمسسهم سوء ) من قتل أو جرح ( واتبعوا رضوان الله ) بطاعته وطاعة رسوله في الخروج ( والله ذو فضل عظيم ) على أهل طاعته
175. ( إنما ذلكم ) أي القائل لكم إن الناس الخ ( الشيطان يخوفـِّ ) ـكم ( أولياءه ) الكفار ( فلا تخافوهم وخافون ) في ترك أمري ( إن كنتم مؤمنين ) حقا
176. ( ولا يُحزِنك ) بضم الياء وكسر الزاي و بفتحها و ضم الزاي من حزنه لغة في أحزنه ( الذين يسارعون في الكفر ) يقعون فيه سريعاً بنصرته وهم أهل مكة أو المنافقون أي لا تهتم لكفرهم ( إنهم لن يضروا الله شيئا ) بفعلهم وإنما يضرون أنفسهم ( يريد الله ألا يجعل لهم حظاً ) نصيباً ( في الآخرة ) أي الجنة فلذلك خذلهم الله ( ولهم عذاب عظيم ) في النار
177. ( إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان ) أي أخذوه بدله ( لن يضروا الله ) بكفرهم ( شيئا ولهم عذاب أليم ) مؤلم
178. ( ولا يحسبن ) بالياء والتاء ( الذين كفروا أنما نملي ) أي إملاءنا ( لهم ) بتطويل الأعمار وتأخيرهم ( خير لأنفسهم ) وأن ومعمولاها سدت مسد المفعولين في قراءة التحتانية ومسد الثاني في الأخرى ( إنما نملي ) نمهل ( لهم ليزدادوا إثما ) بكثرة المعاصي ( ولهم عذاب مهين ) ذو إهانة في الآخرة
179. ( ما كان الله ليذر ) ليترك ( المؤمنين على ما أنتم ) أيها الناس ( عليه ) من اختلاط المخلص بغيره ( حتى يميز ) بالتخفيف والتشديد يفصل ( الخبيث ) المنافق ( من الطيب ) المؤمن بالتكاليف الشاقة المبينة لذلك ففعل ذلك يوم أحد ( وما كان الله ليطلعكم على الغيب ) فتعرفوا المنافق من غيره قبل التمييز ( ولكن الله يجتبي ) يختار ( من رسله من يشاء ) فيطلعه على غيبه كما أطلع النبي صلى الله عليه وسلم على حال المنافقين ( فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا ) النفاق ( فلكم أجر عظيم )
180. ( ولا يحسبن ) بالياء والتاء ( الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ) أي بزكاته ( هو ) أي بخلهم ( خيراً لهم ) مفعول ثان والضمير للفصل والأول بخلهم مقدراً قبل الموصول على الفوقانية وقبل الضمير على التحتانية ( بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به ) أي بزكاته من المال ( يوم القيامة ) بأن يجعل حية في عنقه تنهشه كما ورد في الحديث ( ولله ميراث السماوات والأرض ) يرثهما بعد فناء أهلهما ( والله بما تعملون ) بالتاء والياء ( خبير ) فيجازيكم به
181. ( لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ) وهم اليهود قالوه لما نزل { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } وقالوا: لو كان غنيا ما استقرضنا ( سنكتب ) نأمر بكتب ( ما قالوا ) في صحائف أعمالهم ليجازوا عليه ، وفي قراءةٍ { سيُكْتَب } بالياء مبنياً للمفعول ( و ) نكتب ( قتلَهم ) بالنصب والرفع ( الأنبياء بغير حق ونقول ) بالنون والياء أي الله لهم في الآخرة على لسان الملائكة ( ذوقوا عذاب الحريق ) النار
182. ويقال لهم إذا ألقوا فيها: ( ذلك ) العذاب ( بما قدمت أيديكم ) عبر بها عن الإنسان لأن أكثر الأفعال تزاول بها ( وأن الله ليس بظلام ) أي بذي ظلم ( للعبيد ) فيعذبهم بغير ذنب
183. ( الذين ) نعت للذين قبله ( قالوا ) لمحمد ( إن الله ) قد ( عهد إلينا ) في التوراة ( ألا نؤمن لرسول ) نصدقه ( حتى يأتينا بقربان تأكله النار ) فلا نؤمن لك حتى يأتينا به وهو ما يتقرب به إلى الله من نعم وغيرها فإن قبل جاءت نار بيضاء من السماء فأحرقته وإلا بقي مكانه ، وعهد إلى بني إسرائيل ذلك إلا في المسيح ومحمد قال تعالى: ( قل ) لهم توبيخا ( قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات ) بالمعجزات ( وبالذي قلتم ) كزكريا ويحيى فقتلتموهم والخطاب لمن في زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان الفعل لأجدادهم لرضاهم به ( فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ) في أنكم تؤمنون عند الإتيان به
184. ( فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات ) المعجزات ( والزبر ) كصحف إبراهيم ( والكتاب ) وفي قراءة بإثبات الباء فيهما ( المنير ) الواضح هو التوراة والإنجيل فاصبر كما صبروا
185. ( كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم ) جزاء أعمالكم ( يوم القيامة فمن زحزح ) بعد ( عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ) نال غاية مطلوبة ( وما الحياة الدنيا ) أي العيش فيها ( إلا متاع الغرور ) الباطل يتمتع به قليلا ثم يفنى
186. ( لتبلون ) حذف منه نون الرفع لتوالي النونات والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين ، لتختبرن ( في أموالكم ) بالفرائض فيها والجوائح ( وأنفسكم ) بالعبادات والبلاء ( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) اليهود والنصارى ( ومن الذين أشركوا ) من العرب ( أذى كثيرا ) من السب والطعن والتشبيب بنسائكم ( وإن تصبروا ) على ذلك ( وتتقوا ) الله ( فإن ذلك من عزم الأمور ) أي من معزوماتها التي يعزم عليها لوجوبها
187. ( و ) اذكر ( إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ) أي العهد عليهم في التوراة ( ليبيننه ) أي الكتاب ( للناس ولا يكتمونه ) أي الكتاب بالياء والتاء بالفعلين ( فنبذوه ) طرحوا الميثاق ( وراء ظهورهم ) فلم يعملوا به ( واشتروا به ) أخذوا بدله ( ثمنا قليلا ) من الدنيا من سفلتهم برياستهم في العلم فكتموه خوف فوته عليهم ( فبئس ما يشترون ) شراؤهم هذا
188. ( لا تحسبن ) بالتاء والياء ( الذين يفرحون بما أتوا ) فعلوا في إضلال الناس ( ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ) من التمسك بالحق وهم على ضلال ( فلا تحسبنهم ) بالوجهين تأكيد ( بمفازة ) بمكان ينجون فيه ( من العذاب ) من الآخرة بل هم في مكان يعذبون فيه وهو جهنم ( ولهم عذاب أليم ) مؤلم فيها ، ومفعولا يحسب الأولى دل عليهما مفعولا الثانية على قراءة التحتانية وعلى الفوقانية حذف الثاني فقط
189. ( ولله ملك السماوات والأرض ) خزائن المطر والرزق والنبات وغيرها ( والله على كل شيء قدير ) ومنه تعذيب الكافرين وإنجاء المؤمنين
190. ( إن في خلق السماوات والأرض ) وما فيهما في العجائب ( واختلاف الليل والنهار ) بالمجيء والذهاب والزيادة والنقصان ( لآيات ) دلالات على قدرته تعالى ( لأولي الألباب ) لذوي العقول
191. ( الذين ) نعت لما قبله أو بدل ( يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ) مضطجعين أي في كل حال ، وعن ابن عباس يصلون كذلك حسب الطاقة ( ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ) ليستدلوا به على قدرة صانعهما يقولون ( ربنا ما خلقت هذا ) الخلق الذي نراه ( باطلاً ) حال ، عبثاً بل دليلاً على كمال قدرتك ( سبحانك ) تنزيها لك عن العبث ( فقنا عذاب النار )
192. ( ربنا إنك من تدخل النار ) للخلود فيها ( فقد أخزيته ) أهنته ( وما للظالمين ) الكافرين ، فيه وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بتخصيص الخزي بهم ( من ) زائدة ( أنصار ) يمنعونهم من عذاب الله تعالى
193. ( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي ) يدعو الناس ( للإيمان ) أي إليه وهو محمد أو القرآن ( أن ) أي بأن ( آمنوا بربكم فآمنا ) به ( ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر ) غطِّ ( عنا سيئاتنا ) فلا تظهرها بالعقاب عليها ( وتوفنا ) اقبض أرواحنا ( مع ) في جملة ( الأبرار ) الأنبياء الصالحين
194. ( ربنا وآتنا ) أعطنا ( ما وعدتنا ) به ( على ) ألسنة ( رسلك ) من الرحمة والفضل ، وسؤالهم ذلك وإن كان وعده تعالى لا يخلف سؤال أن يجعلهم من مستحقيه لأنهم لم يتيقنوا استحقاقهم له وتكرير ربنا مبالغة في التضرع ( ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ) الوعد بالبعث والجزاء
195. ( فاستجاب لهم ربهم ) دعاءهم ( أني ) أي بأني ( لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم ) كائن ( من بعض ) أي الذكور من الاناث وبالعكس ، والجملة مؤكدة لما قبلها أي هم سواء في المجازاة بالأعمال وترك تضييعها ، نزلت لما قالت أم سلمة: يا رسول الله إني لا أسمع ذكر النساء بالهجرة بشيء ( فالذين هاجروا ) من مكة إلى المدينة ( وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي ) ديني ( وقاتلوا ) الكفار ( وقتلوا ) بالتخفيف والتشديد ، وفي قراءة بتقديمه ( لأكفرن عنهم سيئاتهم ) أسترها بالمغفرة ( ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً ) مصدر من معنى لأكفرن مؤكد له ( من عند الله ) فيه التفات عن التكلم ( والله عنده حسن الثواب ) الجزاء
196. ونزل لما قال المسلمون: أعداء الله فيما نرى من الخير ونحن في الجهد: ( لا يغرنك تقلب الذين كفروا ) تصرفهم ( في البلاد ) بالتجارة والكسب
197. هو ( متاع قليل ) يتمتعون به يسيراً في الدنيا ويفنى ( ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ) الفراش هي
198. ( لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ) أي مقدرين بالخلود ( فيها نزلاً ) وهو ما يعدُّ للضيف ، ونصبه على الحال من جنات والعامل فيها معنى الظرف ( من عند الله وما عند الله ) من الثواب ( خير للأبرار ) من متاع الدنيا
199. ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ) كعبد الله بن سلام وأصحابه والنجاشي ( وما أنزل إليكم ) أي القرآن ( وما أنزل إليهم ) أي التوراة والإنجيل ( خاشعين ) حال من ضمير يؤمن مراعى فيه معنى من أي: متواضعين ( لله لا يشترون بآيات الله ) التي عندهم في التوراة والإنجيل من بعث النبي صلى الله عليه وسلم ( ثمنا قليلا ) من الدنيا بأن يكتموها خوفا على الرياسة كفعل غيرهم من اليهود ( أولئك لهم أجرهم ) ثواب أعمالهم ( عند ربهم ) يؤتونه مرتين كما في القصص ( إن الله سريع الحساب ) يحاسب الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا
200. ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا ) على الطاعات والمصائب وعن المعاصي ( وصابروا ) الكفار فلا يكونوا أشد صبرا منكم ( ورابطوا ) أقيموا على الجهاد ( واتقوا الله ) في جميع أحوالكم ( لعلكم تفلحون ) تفوزون بالجنة وتنجون من النار
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الوردة الحمراء
ADMIN
avatar

الجنس : انثى
عدد المساهمات : 9471
نقاط : 11011
تاريخ التسجيل : 05/06/2016
العمر : 51

المشاركة رقم 13 موضوع: رد: تفاسيرالقرآن متعدد لسوره كاملا 2018-03-25, 10:02 am

4. سورة النساء [ مدنية وآياتها 176 أو 177 نزلت بعد الممتحنة ]
1. ( يا أيها الناس ) أي أهل مكة ( اتقوا ربكم ) أي عقابه بأن تطيعوه ( الذي خلقكم من نفس واحدة ) آدم ( وخلق منها زوجها ) حواء بالمد من ضلع من أضلاعه اليسرى ( وبث ) فرق ونشر ( منهما ) من آدم وحواء ( رجالاً كثيراً ونساء ) كثيرة ( واتقوا الله الذي تَسَّاءلون ) فيه إدغام التاء في الأصل في السين ، وفي قراءة بالتخفيف بحذفها أي تتساءلون ( به ) فيما بينكم حيث يقول بعضكم لبعض: أسألك بالله وأنشدك بالله ( و ) اتقوا ( الأرحام ) أن تقطعوها ، وفي قراءة بالجر عطفا على الضمير في به وكانوا يتناشدون بالرحم ( إن الله كان عليكم رقيبا ) حافظا لأعمالكم فيجازيكم بها ، أي لم يزل متصفا بذلك
2. ونزل في يتيم طلب من وليه ماله فمنعه: ( وآتوا اليتامى ) الصغار الذين لا أب لهم ( أموالهم ) إذا بلغوا ( ولا تتبدلوا الخبيث ) الحرام ( بالطيب ) الحلال أي تأخذوه بدله كما تفعلون من أخذ الجيد من مال اليتيم وجعل الرديء من مالكم مكانه ( ولا تأكلوا أموالَهم ) مضمومةً ( إلى أموالكم إنه ) أي أكلها ( كان حُوباً ) ذنباً ( كبيراً ) عظيماً
3. ولما نزلت تحرَّجوا من ولاية اليتامى وكان فيهم من تحته العشر أو الثمان من الأزواج فلا يعدل بينهن فنزل: ( وإن خفتم أ ) ن ( لا تقسطوا ) تعدلوا ( في اليتامى ) فتحرَّجتم من أمرهم فخافوا أيضا أن لا تعدلوا بين النساء إذا نكحتموهن ( فانكحوا ) تزوجوا ( ما ) بمعنى من ( طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ) أي اثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا ولا تزيدوا على ذلك ( فإن خفتم أ ) ن ( لا تعدلوا ) فيهن بالنفقة والقسم ( فواحدة ) انكحوها ( أو ) اقتصروا على ( ما ملكت أيمانكم ) من الإماء إذ ليس لهم من الحقوق ما للزوجات ( ذلك ) أي نكاح الأربع فقط أو الواحدة أو التسري ( أدنى ) أقرب إلى ( ألا تعولوا ) تجوروا
4. ( وآتوا ) أعطوا ( النساء صَدُقاتهن ) جمع صدُقة ، مهورهن ( نِحلةً ) مصدر ، عطية عن طيب نفس ( فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً ) تمييز محول عن الفاعل ، أي طابت أنفسهن لكم عن شيء من الصِداق فوهبنه لكم ( فكلوه هنيئاً ) طيباً ( مريئاً ) محمود العاقبة لا ضرر فيه عليكم في الآخرة ، نزلت رداً على من كرَّه ذلك
5. ( ولا تؤتوا ) أيها الأولياء ( السفهاء ) المبذرين من الرجال والنساء والصبيان ( أموالكم ) أي أموالهم التي في أيديكم ( التي جعل الله لكم قياماً ) مصدر قام ، أي تقوم بمعاشكم وصلاح أولادكم فيضعوها في غير وجهها ، وفي قراءة { قِيَماً } جمع قيمة ، ما تُقَوَّمُ به الأمتعة ( وارزقوهم فيها ) أطعموهم منها ( واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً ) عُدوهم عِدة جميلة بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا
6. ( وابتلوا ) اختبروا ( اليتامى ) قبل البلوغ في دينهم وتصرفهم في أحوالهم ( حتى إذا بلغوا النكاح ) أي صاروا أهلاً له بالاحتلام أو السن وهو استكمال خمسة عشر سنة عند الشافعي ( فإن آنستم ) أبصرتم ( منهم رُشْداً ) صلاحاً في دينهم ومالهم ( فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها ) أيها الأولياء ( إسرافا ) بغير حق حال ( وبداراً ) أي مبادرين إلى إنفاقها مخافة ( أن يكبروا ) رشداء فيلزمكم تسليمها إليهم ( ومن كان ) من الأولياء ( غنياً فليستعفف ) أي يعف عن مال اليتيم ويمتنع من أكله ( ومن كان فقيراً فليأكل ) منه ( بالمعروف ) بقدر أجرة عمله ( فإذا دفعتم إليهم ) أي إلى اليتامى ( أموالهم فأشهدوا عليهم ) أنهم تسلموها وبرئتم لئلا يقع اختلاف فترجعوا إلى البينة ، وهذا الأمر إرشاد ( وكفى بالله ) الباء زائدة ( حسيباً ) حافظاً لأعمال خلقه ومحاسبهم
7. ونزل رداً لما كان عليه الجاهلية من عدم توريث النساء والصغار: ( للرجال ) الأولاد والأقرباء ( نصيبٌ ) حظٌ ( مما ترك الوالدان والأقربون ) المتوفون ( وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه ) أي المال ( أو كثر ) جعله الله ( نصيباً مفروضاً ) مقطوعاً بتسليمه إليهم
8. ( وإذا حضر القسمة ) للميراث ( أولوا القربى ) ذوو القرابة ممن لا يرث ( واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ) شيئاً قبل القسمة ( وقولوا ) أيها الأولياء ( لهم ) إذا كان الورثة صغاراً ( قولاً معروفاً ) جميلاً بأن تعتذروا إليهم أنكم لا تملكونه وأنه للصغار وهذا قيل إنه منسوخ وقيل لا ولكن تهاون الناس في تركه وعليه فهو ندب ، وعن ابن عباس واجب
9. ( وليخش ) أي ليخف على اليتامى ( الذين لو تركوا ) أي قاربوا أن يتركوا ( من خلفهم ) أي بعد موتهم ( ذريةً ضعافاً ) أولاداً صغاراً ( خافوا عليهم ) الضياع ( فليتقوا الله ) في أمر اليتامى وليأتوا إليهم ما يحبون أن يفعل بذريتهم من بعدهم ( وليقولوا ) لمن حضرته الوفاة ( قولاً سديداً ) صواباً بأن يأمروه أن يتصدق بدون ثلثه ويدع الباقي لورثته ولا يتركهم عالة
10. ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ) بغير حق ( إنما يأكلون في بطونهم ) أي ملأها ( ناراً ) لأنه يؤول إليها ( وسيَصْلَون ) بالبناء للفاعل والمفعول يدخلون ( سعيرا ) نارا شديدة يحترقون فيها
11. ( يوصيكم ) يأمركم ( الله في ) شأن ( أولادكم ) بما يذكر ( للذكر ) منهم ( مثل حظ ) نصيب ( الأنثيين ) إذا اجتمعتا معه فله نصف المال ولهما النصف فإن كان معه واحدة فلها الثلث وله الثلثان وإن انفرد حاز المال ( فإن كن ) أي الأولاد ( نساءً ) فقط ( فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ) الميت وكذا الاثنتان لأنه للأختين بقوله { فلهما الثلثان مما ترك } فهما أولى ولأن البنت تستحق الثلث مع الذكر فمع الأنثى أولى { وفوق } قيل صلة وقيل لدفع توهم زيادة النصيب بزيادة العدد لما فهم استحقاق البنتين الثلثين من جعل الثلث للواحدة مع الذكر ( وإن كانت ) المولودة ( واحدةً ) وفي قراءة بالرفع فكان تامة ( فلها النصف ولأبويه ) أي الميت ويبدل منهما ( لكل واحد منهما السدُس مما ترك إن كان له ولد ) ذكر أو أنثى ونكتة البدل إفادة أنهما لا يشتركان فيه وألحق بالولد ولد الابن وبالأب الجد ( فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه ) فقط أو مع زوج ( فلأمه ) بضم الهمزة وكسرها فرارا من الانتقال من ضمة إلى كسرة لثقله في الموضعين ( الثلُث ) أي ثلث المال أو ما يبقى بعد الزوج والباقي للأب ( فإن كان له إخوة ) أي اثنان فصاعدا ذكورا أو إناثا ( فلأمه السدُس ) والباقي للأب ولا شيء للأخوة وإرث من ذكر ما ذكر ( من بعد ) تنفيذ ( وصية يوصي ) بالبناء للفاعل والمفعول ( بها أو ) قضاء ( دين ) عليه وتقديم الوصية على الدين وإن كانت مؤخرة عنه في الوفاء للاهتمام بها ( آباؤكم وأبناؤكم ) مبتدأ خبره ( لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ) في الدنيا والآخرة فظانٌّ أن ابنه أنفع له فيعطيه الميراث فيكون الأب أنفع وبالعكس وإنما العالم بذلك هو الله ففرض لكم الميراث ( فريضة من الله إن الله كان عليما ) بخلقه ( حكيما ) فيما دبره لهم أي لم يزل متصفا بذلك
12. ( ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد ) منكم أو من غيركم ( فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ) وألحق بالولد في ذلك ولد الابن بالاجماع ( ولهن ) أي الزوجات تعددن أو لا ( الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد ) منهن أو من غيرهن ( فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ) وولد الابن في ذلك كالولد إجماعا ( وإن كان رجل يورث ) صفة والخبر ( كلالة ) أي لا والد له ولا ولد ( أو امرأة ) تورث كلالة ( وله ) أي للمورث كلالة ( أخ أو أخت ) أي من أم وقرأ به ابن مسعود وغيره ( فلكل واحد منهما السدس ) مما ترك ( فإن كانوا ) أي الإخوة والأخوات من الأم ( أكثر من ذلك ) أي من واحد ( فهم شركاء في الثلث ) يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم ( من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار ) حال من ضمير يوصى أي غير مدخل الضرر على الورثة بأن يوصي بأكثر من الثلث ( وصية ) مصدر مؤكد ليوصيكم ( من الله والله عليم ) بما دبره لخلقه من الفرائض ( حليم ) بتأخير العقوبة عمن خالفه ، وخصت السنة توريث من ذكر بمن ليس فيه مانع من قتل أو اختلاف دين أو رق
13. ( تلك ) الأحكام المذكورة من أمر اليتامى وما بعده ( حدود الله ) شرائعه التي حدها لعباده ليعملوا بها ولا يتعدوها ( ومن يطع الله ورسوله ) فيما حكم به ( يدخله ) بالياء والنون التفاتاً ( جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم )
14. ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ) بالوجهين ( ناراً خالداً فيها وله ) فيها ( عذاب مهين ) ذو إهانة روعي في الضمائر في الآيتين لفظ { من } وفي { خالدين } معناها
15. ( واللاتي يأتين الفاحشة ) الزنا [ وعن الشيخ محمود الرنكوسي أن المراد بها السحاق لأن الآيات الواردة في عقوبة الزنا أتت في سورة النور. دار الحديث ] ( من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ) أي من رجالكم المسلمين ( فإن شهدوا ) عليهن بها ( فأمسكوهن ) احبسوهن ( في البيوت ) وامنعوهن من مخالطة الناس ( حتى يتوفاهن الموت ) أي ملائكته ( أو ) إلى أن ( يجعل الله لهن سبيلاً ) طريقاً إلى الخروج منها ، أمروا بذلك أول الإسلام ثم جعل لهن سبيلاً بجلد البكر مائة وتغريبها عاما ورجم المحصنة ، وفي الحديث لما بيَّن الحد قال: « خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا » رواه مسلم
16. ( واللّذان ) بتخفيف النون وتشديدها ( يأتيانها ) أي الفاحشة الزنا أو اللواط ( منكم ) أي الرجال ( فآذوهما ) بالسب والضرب بالنعال ( فإن تابا ) منها ( وأصلحا ) العمل ( فأعرضوا عنهما ) ولا تؤذوهما ( إن الله كان توابا ) على من تاب ( رحيما ) به ، وهذا منسوخ بالحد إن أريد بها الزنا وكذا إن أريد بها اللواط عند الشافعي لكن المفعول به لا يرجم عنده وإن كان محصنا بل يجلد ويغرب وإرادة اللواط أظهر بدليل تثنية الضمير والأول قال أراد الزاني والزانية ويرده تبيينهما بمن المتصلة بضمير الرجال واشتراكهما في الأذى والتوبة والإعراض وهو مخصوص بالرجال لما تقدم في النساء من الحبس
17. ( إنما التوبة على الله ) أي التي كتب على نفسه قبولها بفضله ( للذين يعملون السوء ) المعصية ( بجهالة ) حال أي جاهلين إذ عصوا ربهم ( ثم يتوبون من ) زمن ( قريب ) قبل أن يغرغروا ( فأولئك يتوب الله عليهم ) يقبل توبتهم ( وكان الله عليماً ) بخلقه ( حكيماً ) في صنعه بهم
18. ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات ) الذنوب ( حتى إذا حضر أحدهم الموت ) وأخذ في النزع ( قال ) عند مشاهدة ما هو فيه ( إني تبت الآن ) فلا ينفعه ذلك ولا يقبل منه ( ولا الذين يموتون وهم كفار ) إذا تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب لا تقبل منهم ( أولئك أعتدنا ) أعددنا ( لهم عذابا أليما ) مؤلما
19. ( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء ) أي ذاتهن ( كَرها ) بالفتح والضم لغتان ، أي مكرهيهن على ذلك كانوا في الجاهلية يرثون نساء أقربائهم فإن شاءوا تزوجوهن بلا صداق أو زوجوها وأخذوا صداقها أو عضلوها حتى تفتدي بما ورثته أو تموت فيرثوها فنهوا عن ذلك ( ولا ) أن ( تعضُلوهن ) أي تمنعوا أزواجكم عن نكاح غيركم بإمساكهن ولا رغبة لكم فيهن ضراراً ( لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ) من المهر ( إلا أن يأتين بفاحشة مُبَيَّنة ) بفتح الياء وكسرها ، أي بِيْنَتْ أو هي بينة ، أي زنا أو نشوز فلكم أن تضاروهن حتى يفتدين منكم ويختلعن ( وعاشروهن بالمعروف ) أي بالإجمال في القول والنفقة والمبيت ( فإن كرهتموهن ) فاصبروا ( فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) ولعله يجعل فيهن ذلك بأن يرزقكم منهن ولدا صالحا
20. ( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ) أي أخذ بدلها بأن طلقتموها ( و ) قد ( آتيتم إحداهن ) أي الزوجات ( قنطارا ) مالا كثيرا صداقا ( فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا ) ظلما ( وإثما مبينا ) بينا ، ونصبهما على الحال
21. والاستفهام للتوبيخ وللإنكار في قوله: ( وكيف تأخذونه ) أي بأي وجه ( وقد أفضى ) وصل ( بعضكم إلى بعض ) بالجماع المقرر للمهر ( وأخذن منكم ميثاقا ) عهدا ( غليظا ) شديدا وهو ما أمر الله به من إمساكهن بمعروف أو تسريحهن بإحسان
22. ( ولا تنكحوا ما ) بمعنى من ( نكح آباؤكم من النساء إلا ) لكن ( ما قد سلف ) من فعلكم ذلك فإنه معفو عنه ( إنه ) أي نكاحهن ( كان فاحشة ) قبيحا ( ومقتا ) سببا للمقت من الله وهو أشد البغض ( وساء ) بئس ( سبيلاً ) طريقاً ذلك
23. ( حُرِّمَت عليكم أمهاتكم ) أن تنكحوهن وشملت الجدات من قبل الأب أو الأم ( وبناتكم ) وشملت الأولاد وإن سفلن ( وأخواتكم ) من جهة الأب أو الأم ( وعماتكم ) أي أخوات آبائكم وأجدادكم ( وخالاتكم ) أي أخوات أمهاتكم وجداتكم ( وبنات الأخ وبنات الأخت ) ويدخل فيهن أولادهم ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ) قبل استكمال الحولين خمس رضعات كما بينه الحديث ( وأخواتكم من الرضاعة ) ويلحق بذلك بالسنة البنات منها وهن من أرضعتهن موطوأته والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت منها لحديث: « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » . رواه البخاري ومسلم. ( وأمهات نسائكم وربائبكم ) جمع ربيبة وهي بنت الزوجة من غيره ( اللاتي في حجوركم ) تربونها صفة موافقة للغالب فلا مفهوم لها ( من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) أي جامعتموهن ( فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ) في نكاح بناتهن إذا فارقتموهن ( وحلائل ) أزواج ( أبنائكم الذين من أصلابكم ) بخلاف من تبنيتموهم فلكم نكاح حلائلهم ( وأن تجمعوا بين الأختين ) من نسب أو رضاع بالنكاح ويلحق بهما بالسنة بينها وبين عمتها أو خالتها ويجوز نكاح كل واحدة على الانفراد وملكهما معاً ويطأ واحدة ( إلا ) لكن ( ما قد سلف ) في الجاهلية من نكاحهم بعض ما ذكر فلا جناح عليكم فيه ( إن الله كان غفوراً ) لما سلف منكم قبل النهي ( رحيما ) بكم في ذلك
24. ( و ) حرمت عليكم ( المحصنات ) أي ذوات الأزواج ( من النساء ) أن تنكحوهن قبل مفارقة أزواجهن حرائر مسلمات كن أو لا ( إلا ما ملكت أيمانكم ) من الإماء بالسبي فلكم وطؤهن وإن كان لهن أزواج في دار الحرب بعد الاستبراء ( كتاب الله ) نصب على المصدر أي كتب ذلك ( عليكم وأحل ) بالبناء للفاعل والمفعول ( لكم ما وراء ذلكم ) أي سوى ما حرم عليكم من النساء ( أن تبتغوا ) تطلبوا النساء ( بأموالكم ) بصداق أو ثمن ( محصنين ) متزوجين ( غير مسافحين ) زانين ( فما ) فمن ( استمتعتم ) تمتعتم ( به منهن ) ممن تزوجتم بالوطء ( فآتوهن أجورهن ) مهورهن التي فرضتم لهن ( فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم ) أنتم وهنَّ ( به من بعد الفريضة ) من حطها أو بعضها أو زيادة عليها ( إن الله كان عليما ) بخلقه ( حكيما ) فيما دبره لهم
25. ( ومن لم يستطع منكم طولا ) أي غنى ( أن ينكح المحصنات ) الحرائر ( المؤمنات ) هو جري على الغالب فلا مفهوم له ( فمن ما ملكت أيمانكم ) ينكح ( من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم ) فاكتفوا بظاهره وكلوا السرائر إليه فإنه العالم بتفضيلها ورب أمة تفضل حرة فيه وهذا تأنيس بنكاح الإماء ( بعضكم من ) أي أنتم وهن سواء في الدين فلا تستنكفوا من نكاحهن ( فانكحوهن بإذن أهلهن ) مواليهن ( وآتوهن ) أعطوهن ( أجورهن ) مهورهن ( بالمعروف ) من غير مطل ونقص ( محصنات ) عفائف حال ( غير مسافحات ) زانيات جهراً ( ولا متخذات أخدان ) أخلاء يزنون بهن سراً ( فإذا أُحصن ) زُوِّجْن وفي قراءة { أحصنَّ } بالبناء للفاعل تزوجن ( فإن أتين بفاحشة ) زنا ( فعليهن نصف ما على المحصنات ) الحرائر الأبكار إذا زنين ( من العذاب ) الحد فيجلدن خمسين ويغربن نصف سنة ويقاس عليهن العبيد ولم يجعل الإحصان شرطا لوجوب الحد لإفادة أنه لا رجم عليهن أصلا ( ذلك ) أي نكاح المملوكات عند عدم الطول ( لمن خشي ) خاف ( العنت ) الزنا ، وأصله المشقة ، سمي به الزنا لأنه سببها بالحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة ( منكم ) بخلاف من لا يخافه من الأحرار فلا يحل له نكاحها وكذا من استطاع طول حرة وعليه الشافعي وخرج بقوله { من فتياتكم المؤمناتِ } : الكافراتُ ، فلا يحل له نكاحها ولو عدم وخاف ( وأن تصبروا ) عن نكاح المملوكات ( خير لكم ) لئلا يصير الولد رقيقا ( والله غفور رحيم ) بالتوسعة في ذلك
26. ( يريد الله ليبين لكم ) شرائع دينكم ومصالح أمركم ( ويهديكم سنن ) طرائق ( الذين من قبلكم ) من الأنبياء في التحليل والتحريم فتتبعوهم ( ويتوب عليكم ) يرجع بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته ( والله عليم ) بكم ( حكيم ) فيما دبره لكم
27. ( والله يريد أن يتوب عليكم ) كرره ليبني عليه ( ويريد الذين يتبعون الشهوات ) اليهود والنصارى أو المجوس أو الزناة ( أن تميلوا ميلا عظيما ) تعدلوا عن الحق بارتكاب ما حرم عليكم فتكونوا مثلهم
28. ( يريد الله أن يخفف عنكم ) يسهل عليكم أحكام الشرع ( وخلق الإنسان ضعيفا ) لا يصبر عن النساء والشهوات
29. ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) بالحرام في الشرع كالربا والغصب ( إلا ) لكن ( أن تكون ) تقع ( تجارةٌ ) وفي قراءة بالنصب ، أن تكون الأموال أموال تجارة صادرة ( عن تراض منكم ) وطيب نفس فلكم أن تأكلوها ( ولا تقتلوا أنفسكم ) بارتكاب ما يؤدي إلى هلاكها أيا كان في الدنيا أو الآخرة بقرينة ( إن الله كان بكم رحيما ) في منعه لكم من ذلك
30. ( ومن يفعل ذلك ) أي ما نهي عنه ( عدوانا ) تجاوزا للحلال حال ( وظلما ) تأكيد ( فسوف نصليه ) ندخله ( نارا ) يحترق فيها ( وكان ذلك على الله يسيرا ) هينا
31. ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) وهي ما ورد عليها وعيد كالقتل والزنا والسرقة ، وعن ابن عباس: « هي إلى السبعمائة أقرب » . ( نكفر عنكم سيئاتكم ) الصغائر بالطاعات ( وندخلكم مُدخلا ) بضم الميم وفتحها أي إدخالا أو موضعا ( كريما ) هو الجنة
32. ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) من جهة الدنيا أو الدين لئلا يؤدي إلى التحاسد والتباغض ( للرجال نصيب ) ثواب ( مما اكتسبوا ) بسبب ما عملوا من الجهاد وغيره ( وللنساء نصيب مما اكتسبن ) من طاعة أزواجهن وحفظ فروجهن ، نزلت لما قالت أم سلمة: ليتنا كنا رجالا فجاهدنا وكان لنا مثل أجر الرجال ( واسألوا ) بهمزة ودونها ( الله من فضله ) ما احتجتم إليه يعطكم ( إن الله كان بكل شيء عليما ) ومنه محل الفضل وسؤالكم
33. ( ولكل ) من الرجال والنساء ( جعلنا موالي ) عصبة يعطون ( مما ترك الوالدان والأقربون ) لهم من المال ( والذين عاقدت ) بألف ودونها ( أيمانكم ) جمع يمين بمعنى القسم أو اليد الحلفاء الذين عاهدتموهم في الجاهلية على النصرة والإرث ( فآتوهم ) الآن ( نصيبهم ) حظوظهم من الميراث وهو السدس ( إن الله كان على كل شيء شهيدا ) مطلعا ومنه حالكم ، وهذا منسوخ بقوله { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض }
34. ( الرجال قوامون ) مسلطون ( على النساء ) يؤدبونهن ويأخذون على أيديهن ( بما فضل الله بعضهم على بعض ) أي بتفضيله لهم عليهن بالعلم والعقل والولاية وغير ذلك ( وبما أنفقوا ) عليهن ( من أموالهم فالصالحات ) منهن ( قانتات ) مطيعات لأزواجهن ( حافظات للغيب ) أي لفروجهن وغيرها في غيبة أزواجهن ( بما حفظ ) لهن ( الله ) حيث أوصى عليهن الأزواج ( واللاتي تخافون نشوزهن ) عصيانهن لكم بأن ظهرت أمارته ( فعظوهن ) فخوفوهن الله ( واهجروهن في المضاجع ) اعتزلوا إلى فراش آخر إن أظهرن النشوز ( واضربوهن ) ضربا غير مبرح إن لم يرجعن بالهجران ( فإن أطعنكم ) فيما يراد منهن ( فلا تبغوا ) تطلبوا ( عليهن سبيلا ) طريقا إلى ضربهن ظلما ( إن الله كان عليا كبيرا ) فاحذروه أن يعاقبكم إن ظلمتوهن
35. ( وإن خفتم ) علمتم ( شقاق ) خلاف ( بينهما ) بين الزوجين ، والإضافة للاتساع أي شقاقا بينهما ( فابعثوا ) إليهما برضاهما ( حكما ) رجلا عدلا ( من أهله ) أقاربه ( وحكما من أهلها ) ويوكل الزوج حكمه في طلاق وقبول عوض عليه وتوكل هي حكمها في الاختلاع فيجتهدان ويأمران الظالم بالرجوع أو يفرِّقان إن رأياه ، قال تعالى: ( إن يريدا ) أي الحكمان ( إصلاحا يوفق الله بينهما ) بين الزوجين أي يقدرهما على ما هو الطاعة من إصلاح أو فراق ( إن الله كان عليما ) بكل شيء ( خبيرا ) بالبواطن كالظواهر
36. ( واعبدوا الله ) وحده ( ولا تشركوا به شيئا و ) أحسنوا ( بالوالدين إحسانا ) برا ولين جانب ( وبذي القربى ) القرابة ( واليتامى والمساكين والجار ذي القربى ) القريب منك في الجوار أو النسب ( والجار الجنب ) البعيد عنك في الجوار أو النسب ( والصاحب بالجنب ) الرفيق في سفر أو صناعة وقيل الزوجة ( وابن السبيل ) المنقطع في سفره ( وما ملكت أيمانكم ) من الأرقاء ( إن الله لا يحب من كان مختالا ) متكبرا ( فخورا ) على الناس بما أوتي
37. ( الذين ) مبتدأ ( يبخلون ) بما يجب عليهم ( ويأمرون الناس بالبخل ) به ( ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ) من العلم والمال وهم اليهود ، وخبر المبتدأ لهم وعيد شديد ( وأعتدنا للكافرين ) بذلك وبغيره ( عذابا مهينا ) ذا إهانة
38. ( والذين ) عطف على الذين قبله ( ينفقون أموالهم رئاء الناس ) مرائين لهم ( ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) كالمنافقين وأهل مكة ( ومن يكن الشيطان له قرينا ) صاحبا يعمل بأمره كهؤلاء ( فساء ) بئس ( قرينا ) هو
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الوردة الحمراء
ADMIN
avatar

الجنس : انثى
عدد المساهمات : 9471
نقاط : 11011
تاريخ التسجيل : 05/06/2016
العمر : 51

المشاركة رقم 14 موضوع: رد: تفاسيرالقرآن متعدد لسوره كاملا 2018-03-25, 10:02 am

39. ( وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ) أيْ أيُّ ضرر عليهم في ذلك والاستفهام للإنكار ولو مصدرية أي لا ضرر فيه وإنما الضرر فيما هم عليه ( وكان الله بهم عليما ) فيجازيهم بما عملوا
40. ( إن الله لا يظلم ) أحدا ( مثقال ) وزن ( ذرة ) أصغر نملة بأن ينقصها من حسناته أو يزيدها في سيئاته ( وإن تك ) الذرة ( حسنةً ) من مؤمن ، وفي قراءة بالرفع فكان تامة ( يضاعفها ) من عشر إلى أكثر من سبعمائة وفي قراءة { يضعِّفها } بالتشديد ( ويؤت من لدنه ) من عنده مع المضاعفة ( أجرا عظيما ) لا يقدره أحد
41. ( فكيف ) حال الكفار ( إذا جئنا من كل أمة بشهيد ) يشهد عليها وهو نبيها ( وجئنا بك ) يا محمد ( على هؤلاء شهيدا )
42. ( يومئذ ) يوم المجيء ( يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو ) أي أن ( تُسَوَّى ) بالبناء للمفعول والفاعل مع حذف إحدى التاءين في الأصل ، ومع إدغامها في السين { تَسَّوَّى } أي تتسوى ( بهم الأرض ) بأن يكونوا ترابا مثلها لعظم هوله كما في آية أخرى: { ويقول الكافرين يا ليتني كنت ترابا } ( ولا يكتمون الله حديثا ) عما عملوه وفي وقت آخر يكتمونه ويقولون والله ربنا ما كنا مشركين
43. ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ) أي لا تُصَلُّوا ( وأنتم سكارى ) من الشراب لأن سبب نزولها صلاة جماعة في حالة سكر ( حتى تعلموا ما تقولون ) بأن تصحوا ( ولا جنبا ) بإيلاج أو إنزال ، ونصبه على الحال وهو يطلق على المفرد وغيره ( إلا عابري ) مجتازي ( سبيل ) طريق أي مسافرين ( حتى تغتسلوا ) فلكم أن تصلوا واستثناء المسافر لأن له حكما آخر سيأتي ، وقيل المراد النهي عن قربان مواضع الصلاة أي المساجد إلى عبورها من غير مكث ( وإن كنتم مرضى ) مرضاً يضره الماء ( أو على سفر ) أي مسافرين وأنتم جنب أو محدثون ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) هو المكان المعد لقضاء الحاجة أي أحدث ( أو لامستم النساء ) وفي قراءة { لمستم } بلا ألف وكلاهما بمعنى اللمس هو الجس باليد ، قاله ابن عمر وعليه الشافعي وألحق به الجس بباقي البشرة ، وعن ابن عباس هو الجماع ( فلم تجدوا ماء ) تتطهرون به للصلاة بعد الطلب والتفتيش وهو راجع إلى ماعدا المرضى ( فتيمموا ) اقصدوا بعد دخول الوقت ( صعيدا طيبا ) ترابا طاهرا فاضربوا به ضربتين ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) مع المرفقين منه ، ومَسَحَ يتعدى بنفسه وبالحرف ( إن الله كان عفوا غفورا )
44. ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ) حظا ( من الكتاب ) وهم اليهود ( يشترون الضلالة ) بالهدى ( ويريدون أن تضلوا السبيل ) تخطئوا الطريق لتكونوا مثلهم
45. ( والله أعلم بأعدائكم ) منكم فيخبركم بهم لتجتنبوهم ( وكفى بالله وليا ) حافظا لكم منهم ( وكفى بالله نصيرا ) مانعا لكم من كيدهم
46. ( من الذين هادوا ) قوم ( يحرفون ) يغيرون ( الكلم ) الذي أنزل الله في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم ( عن مواضعه ) التي وضع عليها ( ويقولون ) للنبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بشيء ( سمعنا ) قولك ( وعصينا ) أمرك ( واسمع غير مسمع ) حال بمعنى الدعاء أي لا سمعت ( و ) يقولون له ( راعنا ) وقد نهى عن خطابه بها وهي كلمة سب بلغتهم ( ليَّا ) تحريفا ( بألسنتهم وطعنا ) قدحا ( في الدين ) الإسلام ( ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ) بدل وعصينا ( واسمع ) فقط ( وانظرنا ) انظر إلينا بدل راعنا ( لكان خيرا لهم ) مما قالوه ( وأقوم ) أعدل منه ( ولكن لعنهم الله ) أبعدهم عن رحمته ( بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه
47. ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا ) من القرآن ( مصدقا لما معكم ) من التوراة ( من قبل أن نطمس وجوها ) نمحو ما فيها من العين والأنف والحاجب ( فنردها على أدبارها ) فنجعلها كالأقفاء لوحا واحدا ( أو نلعنهم ) نمسخهم قردة ( كما لعنا ) مسحنا ( أصحاب السبت ) منهم ( وكان أمر الله ) قضاؤه ( مفعولا ) ولما نزلت أسلم عبد الله بن سلام فقيل كان وعيدا بشرط فلما أسلم بعضهم رفع وقيل يكون طمس ومسخ قبل قيام الساعة
48. ( إن الله لا يغفر أن يشرك ) أي الإشراك ( به ويغفر ما دون ) سوى ( ذلك ) من الذنوب ( لمن يشاء ) المغفرة له بأن يدخله الجنة بلا عذاب ومن شاء عذبه من المؤمنين بذنوبه ثم يدخله الجنة ( ومن يشرك بالله فقد افترى إثما ) ذنبا ( عظيما ) كبيرا
49. ( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ) وهم اليهود حيث قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه أي ليس الأمر بتزكيتهم أنفسهم ( بل الله يزكي ) يطهر ( من يشاء ) بالإيمان ( ولا يظلمون ) ينقصون من أعمالهم ( فتيلا ) قدر قشرة النواة
50. ( انظر ) متعجبا ( كيف يفترون على الله الكذب ) بذلك ( وكفى به إثما مبينا ) بينا
51. ونزل في كعب بن الأشرف ونحوه من علماء اليهود لما قدموا مكة وشاهدوا قتلى بدر وحرضوا المشركين على الأخذ بثأرهم ومحاربة النبي صلى الله عليه وسلم ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ) ضمان لقريش ( ويقولون للذين كفروا ) أبي سفيان وأصحابه حين قالوا لهم أنحن أهدى سبيلا ونحن ولاة نسقي الحاج ونقري الضيف ونفك العاني ونفعل أم محمد وقد خالف دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم ( هؤلاء ) أي أنتم ( أهدى من الذين آمنوا سبيلاً ) أقوم طريقا
52. ( أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً ) مانعا من عذابه
53. ( أم ) بل أ ( لهم نصيب من الملك ) أي ليس لهم شيء منه ولو كان ( فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ) أي شيئا تافها قدر النقرة في ظهر النواة لفرط بخلهم
54. ( أم ) بل ( يحسدون الناس ) أي النبي صلى الله عليه وسلم ( على ما آتاهم الله من فضله ) من النبوة وكثرة النساء أي يتمنون زواله عنه ويقولون لو كان نبيا لاشتغل عن النساء ( فقد آتينا آل إبراهيم ) جده كموسى وداود وسليمان ( الكتاب والحكمة ) والنبوة ( وآتيناهم ملكاً عظيماً ) فكان لداود تسع وتسعون امرأة ولسليمان ألف ما بين حرة وسرية
55. ( فمنهم من آمن به ) بمحمد صلى الله عليه وسلم ( ومنهم من صد ) أعرض ( عنه ) فلم يؤمن ( وكفى بجهنم سعيرا ) عذاباً لمن لا يؤمن
56. ( إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ) تدخلهم ( نارا ) يحترقون فيها ( كلما نضجت ) فيها احترقت ( جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ) بأن تعاد إلى حالها الأول غير محترقة ( ليذوقوا العذاب ) ليقاسوا شدته ( إن الله كان عزيزا ) لا يعجزه شيء ( حكيما ) في خلقه
57. ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة ) من الحيض وكل قذر ( وندخلهم ظلاً ظليلاً ) دائما لا تنسخه شمس وهو ظل الجنة
58. ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ) أي ما ائتمن عليه من الحقوق ( إلى أهلها ) نزلت لما أخذ عليٌّ رضي الله عنه مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة الحجبي سادنها قسرا لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح ومنعه وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برده إليه وقال: هاك خالدة تالدة. فعجب من ذلك فقرأ له عليٌّ الآية فأسلم وأعطاه عند موته لأخيه شيبة فبقي في ولده ، والآية وإن وردت على سبب خاص فعمومها معتبر بقرينة الجمع ( وإذا حكمتم بين الناس ) يأمركم ( أن تحكموا بالعدل إن الله نعمَّا ) فيه إدغام ميم نعمَ في ما النكرة الموصوفة أي نعم شيئاً ( يعظكم به ) تأدية الأمانة والحكم بالعدل ( إن الله كان سميعا ) لما يقال ( بصيرا ) بما يفعل
59. ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ) وأصحاب ( الأمر ) أو الولاة ( منكم ) إذا أمروكم بطاعة الله ورسوله ( فإن تنازعتم ) اختلفتم ( في شيء فردوه إلى الله ) أي إلى كتابه ( والرسول ) مدة حياته وبعده إلى سنته أي اكشفوا عليه منهما ( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك ) أي الرد إليهما ( خير ) لكم من التنازع والقول بالرأي ( وأحسن تأويلا ) مآلا
60. ونزل لما اختصم يهودي ومنافق فدعا المنافق إلى كعب بن الأشرف ليحكم بينهما ودعا اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتياه فقضى لليهودي فلم يرض المنافق ، وأتيا عمر فذكر اليهودي ذلك فقال للمنافق أكذلك قال نعم فقتله ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ) الكثير الطغيان وهو كعب بن الأشرف ( وقد أمروا أن يكفروا به ) ولا يوالوه ( ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ) عن الحق
61. ( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ) في القرآن من الحكم ( وإلى الرسول ) ليحكم بينكم ( رأيت المنافقين يصدون ) يعرضون ( عنك ) إلى غيرك ( صدودا )
62. ( فكيف ) يصنعون ( إذا أصابتهم مصيبة ) عقوبة ( بما قدمت أيديهم ) من الكفر والمعاصي أي أيقدرون على الإعراض والفرار منها لا ( ثم جاؤوك ) معطوف على يصدون ( يحلفون بالله إن ) ما ( أردنا ) بالمحاكمة إلى غيرك ( إلا إحسانا ) صلحا ( وتوفيقا ) تأليفا بين الخصمين بالتقريب في الحكم دون الحمل على مُرِّ الحق
63. ( أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ) من النفاق وكذبهم في عذرهم ( فأعرضْ عنهم ) بالصفح ( وعظهم ) خوفهم الله ( وقل لهم في ) شأن ( أنفسهم قولا بليغا ) مؤثرا فيهم ، أي ازجرهم ليرجعوا عن كفرهم
64. ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ) فيما يأمر به ويحكم ( بإذن الله ) بأمره لا ليعصى ويخالف ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ) بتحاكمهم إلى الطاغوت ( جاؤوك ) تائبين ( فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ) فيه التفات عن الخطاب تفخيما لشأنه ( لوجدوا الله توابا ) عليهم ( رحيما ) بهم
65. ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شجر ) اختلط ( بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ) ضيقا أو شكا ( مما قضيت ) به ( ويسلموا ) ينقادوا لحكمك ( تسليما ) من غير معارضة
66. ( ولو أنا كتبنا عليهم أن ) مفسرة ( اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ) كما كتبنا على بني إسرائيل ( ما فعلوه ) أي المكتوب عليهم ( إلا قليلٌ ) بالرفع على البدل والنصب على الاستثناء ( منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ) من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ( لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ) تحقيقا لإيمانهم
67. ( وإذاً ) أي لو تثبتوا ( لآتيناهم من لدنا ) من عندنا ( أجرا عظيما ) هو الجنة
68. ( ولهديناهم صراطا مستقيما ) قال بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم كيف نراك في الجنة وأنت في الدرجات العلى ونحن أسفل منك فنزل
69. ( ومن يطع الله والرسول ) فيما أمر به ( فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ) أفاضل أصحاب الأنبياء لمبالغتهم في الصدق والتصديق ( والشهداء ) القتلى في سبيل الله ( والصالحين ) غير من ذكر ( وحسن أولئك رفيقا ) رفقاء في الجنة بأن يستمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم وإن كان مقرهم في الدرجات العالية بالنسبة إلى غيرهم
70. ( ذلك ) أي كونهم مع من ذكر مبتدأ خبره ( الفضل من الله ) تفضل به عليهم لا أنهم نالوه بطاعاتهم ( وكفى بالله عليما ) بثواب الآخرة ، أي فثقوا بما أخبركم به { ولا ينبئك مثل خبير }
71. ( يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ) من عدوكم ، أي احترزوا منه وتيقظوا له ( فانفروا ) انهضوا إلى قتاله ( ثبات ) متفرقين سرية بعد أخرى ( أو انفروا جميعا ) مجتمعين
72. ( وإن منكم لمن ليبطئن ) ليتأخرن عن القتال كعبد الله بن أبي المنافق وأصحابه وجعله منهم من حيث الظاهر واللام في الفعل للقسم ( فإن أصابتكم مصيبة ) كقتل وهزيمة ( قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ) حاضراً فأصاب
73. ( ولئن ) لام قسم ( أصابكم فضل من الله ) كفتح وغنيمة ( ليقولَّن ) نادماً ( كأن ) مخففة واسمها محذوف أي كأنه ( لم تكن ) بالياء والتاء ( بينكم وبينه مودة ) معرفة وصداقة وهذا راجع إلى قوله قد أنعم الله علي اعترض به بين القول ومقوله وهو ( يا ) للتنبيه ( ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ) آخذ حظا وافرا من الغنيمة
74. قال تعالى: ( فليقاتل في سبيل الله ) لإعلاء دينه ( الذين يشرون ) يبيعون ( الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل ) يستشهد ( أو يغلب ) يظفر بعدوه ( فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) ثوابا جزيلا
75. ( وما لكم لا تقاتلون ) استفهام توبيخ ، أي لا مانع لكم من القتال ( في سبيل الله و ) في تخليص ( المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ) الذين حبسهم الكفار عن الهجرة وآذوهم ، قال ابن عباس رضي الله عنه: كنت أنا وأمي منهم. ( الذين يقولون ) داعين يا ( ربنا أخرجنا من هذه القرية ) مكة ( الظالم أهلها ) بالكفر ( واجعل لنا من لدنك ) من عندك ( وليا ) يتولى أمورنا ( واجعل لنا من لدنك نصيرا ) يمنعنا منهم ، وقد استجاب الله دعاءهم فيسر لبعضهم الخروج وبقي بعضهم إلى أن فتحت مكة وولَّى صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد فأنصف مظلومهم من ظالمهم
76. ( الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ) الشيطان ( فقاتلوا أولياء الشيطان ) أنصار دينه تغلبوهم لقوتكم بالله ( إن كيد الشيطان ) بالمؤمنين ( كان ضعيفا ) واهيا لا يقاوم كيد الله بالكافرين
77. ( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ) عن قتال الكفار لما طلبوه بمكة لأذى الكفار لهم وهم جماعة من الصحابة ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب ) فرض ( عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون ) يخافون ( الناس ) الكفار أي عذابهم بالقتل ( كخشية ) هم عذاب ( الله أو أشد خشية ) من خشيتهم له ، ونصب أشد على الحال وجواب ( لما ) دل عليه إذا وما بعدها أي فاجأتهم الخشية ( وقالوا ) جزعا من الموت ( ربنا لم كتبت علينا القتال لولا ) هلا ( أخرتنا إلى أجل قريب قل ) لهم ( متاع الدنيا ) ما يتمتع به فيها أو الاستمتاع بها ( قليل ) آيل إلى الفناء ( والآخرة ) أي الجنة ( خير لمن اتقى ) عقاب الله بترك معصيته ( ولا تظلمون ) بالتاء والياء ، تنقصون من أعمالكم ( فتيلا ) قدر قشرة النواة فجاهدوا
78. ( أين ما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج ) حصون ( مشيدة ) مرتفعة فلا تخشوا القتال خوف الموت ( وإن تصبهم ) أي اليهود ( حسنة ) خصب وسعة ( يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة ) جدب وبلاء كما حصل لهم عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ( يقولوا هذه من عندك ) يا محمد أي بشؤمك ( قل ) لهم ( كل ) من الحسنة والسيئة ( من عند الله ) من قبله ( فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ) أي يقاربون أن يفهموا ( حديثا ) يلقى إليهم ، وما استفهام تعجيب من فرط جهلهم ونفي مقاربة الفعل أشد من نفيه
79. ( ما أصابك ) أيها الإنسان ( من حسنة ) خير ( فمن الله ) أتتك فضلاً منه ( وما أصابك من سيئة ) بلية ( فمن نفسك ) أتتك حيث ارتكبت ما يستوجبها من الذنوب ( وأرسلناك ) يا محمد ( للناس رسولا ) حال مؤكدة ( وكفى بالله شهيدا ) على رسالتك
80. ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى ) أعرض عن طاعتك فلا يهمنك ( فما أرسلناك عليهم حفيظا ) حافظا لأعمالهم بل نذيرا وإلينا أمرهم فنجازيهم وهذا قبل الأمر بالقتال
81. ( ويقولون ) أي المنافقون إذا جاؤوك أمرنا ( طاعة ) لك ( فإذا برزوا ) خرجوا ( من عندك بَيَّتْ طائفة منهم ) بإدغام التاء في الطاء وتركه أي أضمرت ( غير الذي تقول ) لك في حضورك من الطاعة أي عصيانك ( والله يكتب ) يأمر بكتب ( ما يبيتون ) في صحائفهم ليجازوا عليه ( فأعرض عنهم ) بالصفح ( وتوكل على الله ) ثق به فإنه كافيك ( وكفى بالله وكيلا ) مفوضا إليه
82. ( أفلا يتدبرون ) يتأملون ( القرآن ) وما فيه من المعاني البديعة ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) تناقضا في معانيه وتباين في نظمه
83. ( وإذا جاءهم أمر ) عن سرايا النبي صلى الله عليه وسلم بما حصل لهم ( من الأمن ) بالنصر ( أو الخوف ) بالهزيمة ( أذاعوا به ) أفشوه نزل في جماعة من المنافقين أو في ضعفاء المؤمنين كانوا يفعلون ذلك فتضعف قلوب المؤمنين ويتأذى النبي ( ولو ردوه ) أي الخبر ( إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ) أي ذوي الرأي من أكابر الصحابة ، أي لو سكتوا عنه حتى يخبروا به ( لعلمه ) هل هو مما ينبغي أي يذاع أو لا ( الذين يستنبطونه ) يتبعونه ويطلبون علمه وهم المذيعون ( منهم ) من الرسول وأولي الأمر ( ولولا فضل الله عليكم ) بالإسلام ( ورحمته ) لكم بالقرآن ( لاتبعتم الشيطان ) فيما يأمركم به من الفواحش ( إلا قليلا )
84. ( فقاتل ) يا محمد ( في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ) فلا تهتم بتخلفهم عنك ، المعنى: قاتل ولو وحدك فإنك موعود بالنصر ( وحرض المؤمنين ) حثهم على القتال ورغبهم فيه ( عسى الله أن يكف بأس ) حرب ( الذين كفروا والله أشد بأسا ) منهم ( وأشد تنكيلا ) تعذيبا منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي » فخرج بسبعين راكبا إلى بدر الصغرى فكف الله بأس الكفار بإلقاء الرعب في قلوبهم ومنع أبي سفيان عن الخروج كما تقدم في آل عمران
85. ( من يشفع ) بين الناس ( شفاعة حسنة ) موافقة للشرع ( يكن له نصيب ) من الأجر ( منها ) بسببها ( ومن يشفع شفاعة سيئة ) مخالفة له ( يكن له كفل ) نصيب من الوزر ( منها ) بسببها ( وكان الله على كل شيء مقيتا ) مقتدرا فيجازي كل أحد بما عمل
86. ( وإذا حييتم بتحية ) كأن قيل لكم سلام عليكم ( فحيوا ) المحيي ( بأحسن منها ) بأن تقولوا له: عليك السلام ورحمة الله وبركاته ( أو ردوها ) بأن تقولوا له كما قال أي الواجب أحدهما والأول أفضل ( إن الله كان على كل شيء حسيبا ) محاسبا فيجازي عليه ومنه رد السلام ، وخصت السنة الكافر والمبتدع والفاسق والمُسَلِّم على قاضي الحاجة ومن في الحمام والآكل فلا يجب الرد عليهم بل يكره في غير الأخير ويقال للكافر: وعليك
87. ( الله لا إله إلا هو ) والله ( ليجمعنكم ) من قبوركم ( إلى ) في ( يوم القيامة لا ريب ) لا شك ( فيه ومن ) أي لا أحد ( أصدق من الله حديثا ) قولا
88. ولما رجع ناس من أحد اختلف الناس فيهم فقال فريق نقتلهم وقال فريق لا فنزل ( فما لكم ) شأنكم صرتم ( في المنافقين فئتين ) فرقتين ( والله أركسهم ) ردهم ( بما كسبوا ) من الكفر والمعاصي ( أتريدون أن تهدوا من أضلـ ) ـه ( الله ) أي تعدوهم من جملة المهتدين ، والاستفهام في الموضعين للإنكار ( ومن يضللـ ) ـه ( الله فلن تجد له سبيلا ) طريقا إلى الهدى
89. ( ودوا ) تمنوا ( لو تكفرون كما كفروا فتكونون ) أنتم وهم ( سواء ) في الكفر ( فلا تتخذوا منهم أولياء ) توالونهم وإن أظهروا الإيمان ( حتى يهاجروا في سبيل الله ) هجرة صحيحة تحقق إيمانهم ( فإن تولوا ) وأقاموا على ما هم عليه ( فخذوهم ) بالأسر ( واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ) توالونه ( ولا نصيرا ) تنتصرون به على عدوكم
90. ( إلا الذين يصلون ) يلجؤون ( إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ) عهد بالأمان لهم ولمن وصل إليهم كما عاهد النبي صلى الله عليه وسلم هلال بن عويمر الأسلمي ( أو ) الذين ( جاؤوكم ) وقد ( حصرت ) ضاقت ( صدورهم ) عن ( أن يقاتلوكم ) مع قومهم ( أو يقاتلوا قومهم ) معكم أي ممسكين عن قتالكم فلا تتعرضوا إليهم بأخذ ولا قتل ، وهذا وما بعده منسوخ بآية السيف ( ولو شاء الله ) تسليطهم عليكم ( لسلطهم عليكم ) بأن يقوي قلوبهم ( فلقاتلوكم ) ولكنه لم يشأه فألقى في قلوبهم الرعب ( فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم ) الصلح أي انقادوا ( فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ) طريقا بالأخذ والقتل
91. ( ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ) بإظهار الإيمان عندكم ( ويأمنوا قومهم ) بالكفر إذا رجعوا إليهم وهم أسد وغطفان ( كل ما ردوا إلى ) دعوا إلى الشرك ( الفتنة أركسوا ) وقعوا أشد وقوع ( فيها فإن لم يعتزلوكم ) بترك قتالكم ( و ) لم ( يلقوا إليكم السلم و ) لم ( يكفوا ) عنكم ( أيديهم ) بالأسر ( فخذوهم واقتلوهم حيث ) وجدتموهم ( ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا ) برهانا بينا ظاهرا على قتلهم وسبيهم لغدرهم
92. ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ) أي ما ينبغي أن يصدر منه قتل له ( إلا خطأ ) مخطئا في قتله من غير قصد ( ومن قتل مؤمنا خطأ ) بأن قصد رمي غيره كصيد أو شجرة فأصابه أو ضربه بما لا يقتل غالبا ( فتحرير ) عتق ( رقبة ) نسمة ( مؤمنة ) عليه ( ودية مسلمة ) مؤداة ( إلى أهله ) أي ورثة المقتول ( إلا أن يصدقوا ) يتصدقوا عليه بها بأن يعفوا عنها ، وبينت السنة أنها مئة من الإبل عشرون بنت مخاض وكذا بنات لبون وبنو لبون وحقاق وجذاع وأنها على عاقلة القاتل وهم عصبته في الأصل والفرع موزعة عليهم على ثلاث سنين على الغني منهم نصف دينار والمتوسط ربع كل سنة فإن لم يفوا فمن بيت المال فإن تعذر فعلى الجاني ( فإن كان ) المقتول ( من قوم عدو ) حرب ( لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ) على قاتله كفارة ولا دية تسلم إلى أهله لحرابتهم ( وإن كان ) المقتول ( من قوم بينكم وبينهم ميثاق ) عهد كأهل الذمة ( فدية ) له ( مسلمة إلى أهله ) وهي ثلث دية المؤمن إن كان يهوديا أو نصرانيا وثلثا عشرها إن كان مجوسيا ( وتحرير رقبة مؤمنة ) على قاتله ( فمن لم يجد ) الرقبة بأن فقدها وما يحصلها به ( فصيام شهرين متتابعين ) عليه كفارة ، ولم يذكر الله تعالى الانتقال إلى الطعام كالظهار وبه أخذ الشافعي في أصح قوليه ( توبة من الله ) مصدر منصوب بفعله المقدر ( وكان الله عليما ) بخلقه ( حكيما ) فيما دبره لهم
93. ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا ) بأن يقصد قتله بما يقتل غالبا بإيمانه ( فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه ) أبعده من رحمته ( وأعد له عذابا عظيما ) في النار وهذا مؤول بمن يستحله أو بأن هذا جزاؤه إن جوزي ، ولا بدع في خلف الوعيد لقوله { ويغفر ما دون ذلك لم يشاء } وعلى ابن عباس أنها على ظاهرها وأنها ناسخة لغيرها من آيات المغفرة وبينت آية البقرة أن قاتل العمد يقتل به وأن عليه الدية إن عفي عنه وسبق قدَرُها ، وبينت السنة أن بين العمد والخطأ قتلا يسمى شبه العمد وهو أن يقتله بما لا يقتل غالبا فلا قصاص فيه بل دية كالعمد في الصفة والخطأ في التأجيل والحمل وهو والعمد أولى بالكفارة من الخطأ
94. ونزل لما مر نفر من الصحابة برجل من بني سليم وهو يسوق غنما فسلم عليهم فقالوا ما سلم علينا إلا تقية ، فقتلوه واستاقوا غنمه ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم ) سافرتم للجهاد ( في سبيل الله فتبينوا ) وفي قراءة { فتثبتوا } في الموضعين ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ) بألف أو دونها أي التحية أو الانقياد بكلمة الشهادة التي هي أمارة على الإسلام ( لست مؤمنا ) وأنما قلت هذا تقية لنفسك ومالك فتقتلوه ( تبتغون ) تطلبون لذلك ( عرض الحياة الدنيا ) متاعها من الغنيمة ( فعند الله مغانم كثيرة ) تغنيكم عن قتل مثله لماله ( كذلك كنتم من قبل ) تعصم دماؤكم وأموالكم بمجرد قولكم الشهادة ( فمن الله عليكم ) بالاشتهار بالإيمان والاستقامة ( فتبينوا ) أن تقتلوا مؤمنا وافعلوا بالداخل في الإسلام كما فعل بكم ( إن الله كان بما تعملون خبيرا ) فيجازيكم به
95. ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين ) عن الجهاد ( غير أولي الضرر ) بالرفع صفة والنصب استثناء من زمانة أو عمى ونحوه ( والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين ) لضرر ( درجة ) فضيلة لاستوائهما في النية وزيادة المجاهدين بالمباشرة ( وكلا ) من الفريقين ( وعد الله الحسنى ) الجنة ( وفضل الله المجاهدين على القاعدين ) لغير ضرر ( أجرا عظيما )
96. ( درجات منه ) منازل بعضها فوق بعض من الكرامة ( ومغفرة ورحمة ) منصوبان بفعلهما المقدر ( وكان الله غفورا ) لأوليائه ( رحيما ) بأهل طاعته ونزل في جماعة أسلموا ولم يهاجروا فقتلوا يوم بدر مع الكفار
97. ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) بالمقام مع الكفار وترك الهجرة ( قالوا ) لهم موبخين ( فيم كنتم ) أي شيء كنتم في أمر دينكم ( قالوا ) معتذرين ( كنا مستضعفين ) عاجزين عن إقامة الدين ( في الأرض ) أرض مكة ( قالوا ) لهم توبيخا ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) من أرض الكفر إلى بلد آخر كما فعل غيركم قال الله تعالى ( فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ) هي
98. ( إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ) الذين ( لا يستطيعون حيلة ) لا قوة لهم على الهجرة ولا نفقة ( ولا يهتدون سبيلا ) طريقا إلى أرض الهجرة
99. ( فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا )
100. ( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما ) مهاجرا ( كثيرا وسعة ) في الرزق ( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت ) في الطريق كما وقع لجندع بن ضمرة الليثي ( فقد وقع ) ثبت ( أجره على الله وكان الله غفورا رحيما )
101. ( وإذا ضربتم ) سافرتم ( في الأرض فليس عليكم جناح ) في ( أن تقصروا من الصلاة ) بأن تردوها من أربع إلى اثنتين ( إن خفتم أن يفتنكم ) أي ينالكم بمكروه ( الذين كفروا ) بيان للواقع ، وبينت السنة أن المراد بالسفر الطويل وهو أربعة برد وهي مرحلتان ويؤخذ من قوله { فليس عليكم جناح } أنه رخصة لا واجب وعليه الشافعي ( إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ) بيني العداوة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الوردة الحمراء
ADMIN
avatar

الجنس : انثى
عدد المساهمات : 9471
نقاط : 11011
تاريخ التسجيل : 05/06/2016
العمر : 51

المشاركة رقم 15 موضوع: رد: تفاسيرالقرآن متعدد لسوره كاملا 2018-03-25, 10:03 am

102. ( وإذا كنت ) يا محمد حاضرا ( فيهم ) وأنتم تخافون العدو ( فأقمت لهم الصلاة ) وهذا جري على عادة القرآن في الخطاب ( فلتقم طائفة منهم معك ) وتتأخر طائفة ( وليأخذوا ) أي الطائفة التي قامت معك ( أسلحتهم ) معهم ( فإذا سجدوا ) أي صلوا ( فليكونوا ) أي الطائفة الأخرى ( من ورائكم ) يحرسون إلى أن تقضوا الصلاة وتذهب هذه الطائفة تحرس ( ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ) معهم إلى أن تقضوا الصلاة ، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم كذلك ببطن نخل رواه الشيخان ( ود الذين كفروا لو تغفلون ) إذا قمتم إلى الصلاة ( عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ) بأن يحملوا عليكم فيأخذوكم وهذا علة الأمر بأخذ السلاح ( ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم ) فلا تحملوها وهذا يفيد إيجاب حملها عند عدم العذر وهو أحد قولين للشافعي والثاني أنه سنة ورجح ( وخذوا حذركم ) من العدو أي احتزروا منه ما استطعتم ( إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ) ذا إهانة
103. ( فإذا قضيتم الصلاة ) فرغتم منها ( فاذكروا الله ) بالتهليل والتسبيح ( قياما وقعودا وعلى جنوبكم ) مضطجعين أي في كل حال ( فإذا اطمأننتم ) أمنتم ( فأقيموا الصلاة ) أدوها بحقوقها ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ) مكتوبا أي مفروضا ( موقوتا ) أي مقدرا وقتها فلا تؤخر عنه ونزل لما بعث صلى الله عليه وسلم طائفة في طلب أبي سفيان وأصحابه لما رجعوا من أحد فشكوا الجراحات
104. ( ولا تهنوا ) تضعفوا ( في ابتغاء ) طلب ( القوم ) الكفار لتقاتلوهم ( إن تكونوا تألمون ) تجدون ألم الجراح ( فإنهم يألمون كما تألمون ) أي مثلكم ولا يجبنون على قتالكم ( وترجون ) أنتم ( من الله ) من النصر والثواب عليه ( ما لا يرجون ) هم فأنتم تزيدون عليهم بذلك فينبغي أن تكونوا أرغب منهم فيه ( وكان الله عليما ) بكل شيء ( حكيما ) في صنعه
105. وسرق طعمة بن أبيرق درعاً وخبأها عند يهودي فوجدت عنده فرماه طعمة بها وحلف أنه ما سرقها فسأل قومه النبي صلى الله عليه وسلم أن يجادل عنه ويبرئه فنزل ( إنا أنزلنا إليك الكتاب ) القرآن ( بالحق ) متعلق بأنزل ( لتحكم بين الناس بما أراك ) أعلمك ( الله ) فيه ( ولا تكن للخائنين ) كطعمة ( خصيما ) مخاصما عنهم
106. ( واستغفر الله ) مما هممت به ( إن الله كان غفورا رحيما )
107. ( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ) يخونونها بالمعاصي لأن وبال خيانتهم عليهم ( إن الله لا يحب من كان خوانا ) كثير الخيانة ( أثيما ) أي يعاقبه
108. ( يستخفون ) أي طعمة وقومه حياء ( من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم ) بعلمه ( إذ يبيتون ) يضمرون ( ما لا يرضى من القول ) من عزمهم على الحلف على نفي السرقة ورمي اليهودي بها ( وكان الله بما يعملون محيطا ) علما
109. ( ها أنتم ) يا ( هؤلاء ) خطاب لقوم طعمة ( جادلتم ) خاصمتم ( عنهم ) أي عن طعمة وذويه وقرئ { عنه } ( في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة ) إذا عذبهم ( أم من يكون عليهم وكيلا ) يتولى أمرهم ويذب عنهم أي لا أحد يفعل ذلك
110. ( ومن يعمل سوء ) ذنبا يسوء به غيره كرمي طعمة اليهودي ( أو يظلم نفسه ) يعمل ذنبا قاصرا عليه ( ثم يستغفر الله ) منه أي يتب ( يجد الله غفورا ) له ( رحيما ) به
111. ( ومن يكسب إثما ) ذنبا ( فإنما يكسبه على نفسه ) لأن وباله عليها ولا يضر غيره ( وكان الله عليما حكيما ) في صنعه
112. ( ومن يكسب خطيئة ) ذنبا صغيرا ( أو إثما ) ذنبا كبيرا ( ثم يرم به بريئا ) منه ( فقد احتمل ) تحمل ( بهتانا ) برميه ( وإثما مبينا ) بينا يكسبه
113. ( ولولا فضل الله عليك ) يا محمد ( ورحمته ) بالعصمة ( لهمت ) أضمرت ( طائفة منهم ) من قوم طعمة ( أن يضلوك ) عن القضاء بالحق بتلبيسهم عليك ( وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء ) لأن وبال إضلالهم عليهم ( وأنزل الله عليك الكتاب ) القرآن ( والحكمة ) ما فيه من الأحكام ( وعلمك ما لم تكن تعلم ) من الأحكام والغيب ( وكان فضل الله عليك ) بذلك وغيره ( عظيما )
114. ( لا خير في كثير من نجواهم ) أي الناس أي ما يتناجون فيه ويتحدثون ( إلا ) نجوى ( من أمر بصدقة أو معروف ) عمل بر ( أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ) المذكور ( ابتغاء ) طلب ( مرضات الله ) لا غيره من أمور الدنيا ( فسوف نؤتيه ) بالنون والياء أي الله ( أجرا عظيما )
115. ( ومن يشاقق ) يخالف ( الرسول ) فيما جاء به من الحق ( من بعد ما تبين له الهدى ) ظهر له الحق بالمعجزات ( ويتبع ) طريقا ( غير سبيل المؤمنين ) أي طريقهم الذي هم عليه من الدين بأن يكفر ( نوله ما تولى ) نجعله واليا لما تولاه من الضلال بأن نخلي بينه وبينه في الدنيا ( ونصله ) ندخله في الآخرة ( جهنم ) فيحترق فيها ( وساءت مصيرا ) مرجعا هي
116. ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا ) عن الحق
117. ( إن ) ما ( يدعون ) يعبد المشركون ( من دونه ) أي الله ، أي غيره ( إلا إناثا ) أصناما مؤنثه كاللات والعزى ومناة ( وإن ) ما ( يدعون ) يعبدون بعبادتها ( إلا شيطانا مريدا ) خارجا عن الطاعة لطاعتهم له فيها وهو إبليس
118. ( لعنه الله ) أبعده عن رحمته ( وقال ) أي الشيطان ( لأتخذن ) لأجعلن لي ( من عبادك نصيبا مفروضا ) مقطوعا أدعوهم إلى طاعتي
119. ( ولأضلنهم ) عن الحق بالوسوسة ( ولأمنينهم ) ألقي في قلوبهم طول الحياة أن لا بعث ولا حساب ( ولآمرنهم فليبتِّكن ) يقطعن ( آذان الأنعام ) وقد فعل ذلك بالبحائر ( ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ) دينه بالكفر وإحلال ما حرم الله وتحريم ما أحل ( ومن يتخذ الشيطان وليا ) يتولاه ويطيعه ( من دون الله ) أي غيره ( فقد خسر خسرانا مبينا ) بيناً لمصيره إلى النار المؤبدة عليه
120. ( يعدهم ) طول العمر ( ويمنيهم ) نيل الآمال في الدنيا وأن لا بعث ولا جزاء ( وما يعدهم الشيطان ) بذلك ( إلا غرورا ) باطلا
121. ( أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا ) معدلا
122. ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ) أي وعدهم الله ذلك وحقه حقا ( ومن ) أي لا أحد ( أصدق من الله قيلا ) أي قولا
123. ونزل لما افتخر المسلمون وأهل الكتاب ( ليس ) الأمر منوطا ( بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ) بل بالعمل الصالح ( من يعمل سوء يجز به ) إما في الآخرة أو الدنيا بالبلاء والمحن كما ورد في الحديث ( ولا يجد له من دون الله ) أي غيره ( وليا ) يحفظه ( ولا نصيرا ) يمنعه منه
124. ( ومن يعمل ) شيئا ( من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون ) بالبناء للمفعول والفاعل ( الجنة ولا يظلمون نقيرا ) قدر نقرة النواة
125. ( ومن ) أي لا أحد ( أحسن دينا ممن أسلم وجهه ) أي انقاد واخلص عمله ( لله وهو محسن ) موحد ( واتبع ملة إبراهيم ) الموافقة لملة الإسلام ( حنيفا ) حال أي مائلا عن الأديان كلها إلى الدين القيم ( واتخذ الله إبراهيم خليلا ) صفيا خالص المحبة له
126. ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) ملكا وخلقا وعبيدا ( وكان الله بكل شيء محيطا ) علما وقدرة أي لم يزل متصفا بذلك
127. ( ويستفتونك ) يطلبون منك الفتوى ( في ) شأن ( النساء ) وميراثهن ( قل ) لهم ( الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب ) القرآن من آية الميراث ويفتيكم أيضا ( في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب ) فرض ( لهن ) من الميراث ( وترغبون ) أيها الأولياءعن ( أن تنكحوهن ) لدمامتهن وتعضلوهن أن يتزوجن طمعا في ميراثهن أي يفتيكم أن لا تفعلوا ذلك وفي ( والمستضعفين ) الصغار ( من الولدان ) أن تعطوهم حقوقهم ويأمركم ( وأن تقوموا لليتامى بالقسط ) بالعدل في الميراث والمهر ( وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما ) فيجازيكم به
128. ( وإن امرأة ) مرفوع بفعل يفسره ( خافت ) توقعت ( من بعلها ) زوجها ( نشوزا ) ترفعا عنها بترك مضاجعتها والتقصير في نفقتها لبغضها وطموح عينه إلى أجمل منها ( أو إعراضا ) عنها بوجهه ( فلا جناح عليهما أن يصَّالحا ) فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد وفي قراءة { يُصلِحا } من أصلح ( بينهما صلحا ) في القسم والنفقة بأن تترك له شيئا طلبا لبقاء الصحبة فإن رضيت بذلك وإلا فعلى الزوج أن يوفيها حقها أو يفارقها ( والصلح خير ) من الفرقة والنشوز والإعراض قال تعالى في بيان ما جبل عليه الإنسان ( وأحضرت الأنفس الشح ) شدة البخل أي جبلت عليه فكأنها حاضرته لا تغيب عنه ، المعنى أن المرأة لا تكاد تسمح بنصيبها من زوجها والرجل لا يكاد يسمح عليها بنفسه إذا أحب غيرها ( وإن تحسنوا ) عشرة النساء ( وتتقوا ) الجور عليهن ( فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) فيجازيكم به
129. ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا ) تسووا ( بين النساء ) في المحبة ( ولو حرصتم ) على ذلك ( فلا تميلوا كل الميل ) إلى التي تحبونها في القسم والنفقة ( فتذروها ) أي تتركوا الممال عنها ( كالمعلقة ) التي لا هي أيم ولا هي ذات بعل ( وإن تصلحوا ) بالعدل بالقسم ( وتتقوا ) الجور ( فإن الله كان غفورا ) لما في قلبكم من الميل ( رحيما ) بكم في ذلك
130. ( وإن يتفرقا ) أي الزوجان بالطلاق ( يغن الله كلا ) عن صاحبه ( من سعته ) أي فضله بأن يرزقها زوجا غيره ويرزقه غيرها ( وكان الله واسعا ) لخلقه في الفضل ( حكيما ) فيما دبر لهم
131. ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب ) بمعنى الكتب ( من قبلكم ) أي اليهود والنصارى ( وإياكم ) يا أهل القرآن ( أن ) أي بأن ( اتقوا الله ) خافوا عقابه بأن تطيعوه ( و ) قلنا لهم ولكم ( إن تكفروا ) بما وصيتم به ( فإن لله ما في السماوات وما في الأرض ) خلقا وملكا وعبيدا فلا يضره كفركم ( وكان الله غنيا ) عن خلقه وعبادتهم ( حميدا ) في صنعه بهم
132. ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) كرره تأكيدا لتقرير موجب التقوى ( وكفى بالله وكيلا ) شهيدا بأن ما فيهما له
133. ( إن يشأ يذهبكم ) يا ( أيها الناس ويأت بآخرين ) بدلكم ( وكان الله على ذلك قديرا )
134. ( من كان يريد ) بعمله ( ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ) لمن أراده لا عند غيره فلم يطلب أحدكم الأخس وهلا طلب الأعلى باخلاص له حيث كان مطلبه لا يوجد إلا عنده ( وكان الله سميعا بصيرا )
135. ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ) قائمين ( بالقسط ) بالعدل ( شهداء ) بالحق ( لله ولو ) كانت الشهادة ( على أنفسكم ) فاشهدوا عليها بأن تقروا بالحق ولا تكتموه ( أو ) على ( الوالدين والأقربين إن يكن ) المشهود عليه ( غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ) منكم وأعلم بمصالحهما ( فلا تتبعوا الهوى ) في شهادتكم بأن تحابوا الغني لرضاه أو الفقير رحمة له ( أن ) لا ( تعدلوا ) تميلوا عن الحق ( وإن تلووا ) تحرفوا الشهادة ، وفي قراءة { تلُوا } بحذف الواو الأولى تخفيفا ( أو تعرضوا ) عن أدائها ( فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) فيجازيكم به
136. ( يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا ) داوموا على الإيمان ( بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ) محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن ( والكتاب الذي أنزل من قبل ) على الرسل بمعنى الكتب ، وفي قراءة بالبناء للفاعل في الفعلين ( ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ) عن الحق
137. ( إن الذين آمنوا ) بموسى وهم اليهود ( ثم كفروا ) بعبادتهم العجل ( ثم آمنوا ) بعده ( ثم كفروا ) بعيسى ( ثم ازدادوا كفرا ) بمحمد ( لم يكن الله ليغفر لهم ) ما أقاموا عليه ( ولا ليهديهم سبيلا ) طريقا إلى الحق
138. ( بشر ) أخبر يا محمد ( المنافقين بأن لهم عذابا أليما ) مؤلما هو عذاب النار
139. ( الذين ) بدل أو نعت المنافقين ( يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) لما يتوهمون فيهم من القوة ( أيبتغون ) يطلبون ( عندهم العزة ) استفهام إنكار ، أي لا يجدون عندهم ( فإن العزة لله جميعا ) في الدنيا والآخرة ولا ينالها إلا أولياؤه
140. ( وقد نَزَّل ) بالبناء للفاعل والمفعول ( عليكم في الكتاب ) القرآن في سورة الأنعام ( أن ) مخففة واسمها محذوف أي أنه ( إذا سمعتم آيات الله ) القرآن ( يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم ) أي الكافرين والمستهزئين ( حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا ) إن قعدتم معهم ( مثلهم ) في الإثم ( إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ) كما اجتمعوا في الدنيا على الكفر والاستهزاء
141. ( الذين ) بدل من الذين قبله ( يتربصون ) ينتظرون ( بكم ) الدوائر ( فإن كان لكم فتح ) ظفر وغنيمة ( من الله قالوا ) لكم ( ألم نكن معكم ) في الدين والجهاد فأعطونا من الغنيمة ( وإن كان للكافرين نصيب ) من الظفر عليكم ( قالوا ) لهم ( ألم نستحوذ ) نستول ( عليكم ) ونقدر على أخذكم وقتلكم فأبقينا عليكم ( و ) ألم ( نمنعكم من المؤمنين ) أن يظفروا بكم بتخذيلهم ومراسلتكم بأخبارهم فلنا عليكم المنة ، قال تعالى ( فالله يحكم بينكم ) وبينهم ( يوم القيامة ) بأن يدخلكم الجنة ويدخلهم النار ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) طريقا بالاستئصال
142. ( إن المنافقين يخادعون الله ) بإظهار خلاف ما أبطنوه من الكفر فيدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية ( وهو خادعهم ) مجازيهم على خداعهم فيفتضحون في الدنيا بإطلاع الله نبيه على ما أبطنوه ويعاقبون في الآخرة ( وإذا قاموا إلى الصلاة ) مع المؤمنين ( قاموا كسالى ) متثاقلين ( يراؤون الناس ) بصلاتهم ( ولا يذكرون الله ) يصلون ( إلا قليلا ) رياء
143. ( مذبذبين ) مترددين ( بين ذلك ) الكفر والإيمان ( لا ) منسوبين ( إلى هؤلاء ) أي الكفار ( ولا إلى هؤلاء ) أي المؤمنين ( ومن يضللـ ) ـه ( الله فلن تجد له سبيلا ) طريقا إلى الهدى
144. ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم ) بموالاتهم ( سلطانا مبينا ) برهاناً بيناً على نفاقكم
145. ( إن المنافقين في الدرك ) المكان ( الأسفل من النار ) وهو قعرها ( ولن تجد لهم نصيرا ) مانعا من العذاب
146. ( إلا الذين تابوا ) من النفاق ( وأصلحوا ) عملهم ( واعتصموا ) وثقوا ( بالله وأخلصوا دينهم لله ) من الرياء ( فأولئك مع المؤمنين ) فيما يؤتونه ( وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ) في الآخرة وهو الجنة
147. ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم ) نعمه ( وآمنتم ) به والاستفهام بمعنى النفي أي لا يعذبكم ( وكان الله شاكرا ) لأعمال المؤمنين بالإثابة ( عليما ) بخلقه
148. ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ) من أحد أي يعاقبه عليه ( إلا من ظلم ) فلا يؤاخذه بالجهر به بأن يخبر عن ظلم ظالمه ويدعو عليه ( وكان الله سميعا ) لما يقال ( عليما ) بما يفعل
149. ( إن تبدوا ) تظهروا ( خيرا ) من أعمال البر ( أو تخفوه ) تعملون سرا ( أو تعفوا عن سوء ) ظلم ( فإن الله كان عفوا قديرا )
150. ( إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ) بأن يؤمنوا به دونهم ( ويقولون نؤمن ببعض ) من الرسل ( ونكفر ببعض ) منهم ( ويريدون أن يتخذوا بين ذلك ) الكفر والإيمان ( سبيلا ) طريقا يذهبون إليه
151. ( أولئك هم الكافرون حقا ) مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله ( وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ) ذا إهانة وهو عذاب النار
152. ( والذين آمنوا بالله ورسله ) كلهم ( ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم ) بالياء والنون ( أجورهم ) ثواب أعمالهم ( وكان الله غفورا ) لأوليائه ( رحيما ) بأهل طاعته
153. ( يسألك ) يا محمد ( أهل الكتاب ) اليهود ( أن تنزل عليهم كتابا من السماء ) جملة كما أنزل على موسى تعنتا فإن استكبرت ذلك ( فقد سألوا ) أي آبائهم ( موسى أكبر ) أعظم ( من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ) عيانا ( فأخذتهم الصاعقة ) الموت عقابا لهم ( بظلمهم ) حيث تعنتوا في السؤال ( ثم اتخذوا العجل ) إلها ( من بعد ما جاءتهم البينات ) المعجزات على وحدانية الله ( فعفونا عن ذلك ) ولم نستأصلهم ( وآتينا موسى سلطانا مبينا ) تسلطا بينا ظاهرا عليهم حيث أمرهم بقتل أنفسهم توبة فأطاعوه
154. ( ورفعنا فوقهم الطور ) الجبل ( بميثاقهم ) بسبب أخذ الميثاق عليهم ليخافوا فقبلوه ( وقلنا لهم ) وهو مظِلٌّ عليهم ( ادخلوا الباب ) باب القرية ( سجدا ) سجود انحناء ( وقلنا لهم لا تعْدُوا ) وفي قراءة بفتح العين وتشديد الدال وفيه إدغام التاء في الأصل في الدال { تعَدّوا } أي لا تتعدوا ( في السبت ) باصطياد الحيتان فيه ( وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ) على ذلك فنقضوه
155. ( فبما نقضهم ) ما زائدة والباء للسببية متعلقة بمحذوف ، أي لعناهم بسبب نقضهم ( ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم ) للنبي صلى الله عليه وسلم ( قلوبنا غلف ) لا تعي كلامك ( بل طبع ) ختم ( الله عليها بكفرهم ) فلا تعي وعظا ( فلا يؤمنون إلا قليلا ) منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه
156. ( وبكفرهم ) ثانيا بعيسى وكرر الباء للفصل بينه وبين ما عطف عليه ( وقولهم على مريم بهتانا عظيما ) حيث رموها بالزنا
157. ( وقولهم ) مفتخرين ( إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ) في زعمهم ، أي بمجموع ذلك عذبناهم قال تعالى تكذيبا لهم في قتله ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ) المقتول والمصلوب وهو صاحبهم بعيسى ، أي ألقى الله عليه شبهه فظنوه إياه ( وإن الذين اختلفوا فيه ) أي في عيسى ( لفي شك منه ) من قتله حيث قال بعضهم لما رأوا المقتول الوجه وجه عيسى والجسد ليس بجسده فليس به وقال آخرون بل هو هو ( ما لهم به ) بقتله ( من علم إلا اتباع الظن ) استثناء منقطع ، أي لكن يتبعون فيه الظن الذي تخيلوه ( وما قتلوه يقينا ) حال مؤكدة لنفي القتل
158. ( بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا ) في ملكه ( حكيما ) في صنعه
159. ( وإن ) ما ( من أهل الكتاب ) أحد ( إلا ليؤمنن به ) بعيسى ( قبل موته ) أي الكتابي حين يعاين ملائكة الموت فلا ينفعه إيمانه أو قبل موت عيسى لما ينزل قرب الساعة كما ورد في حديث ( ويوم القيامة يكون ) عيسى ( عليهم شهيدا ) بما فعلوه لما بعث إليهم
160. ( فبظلم ) أي فبسبب ظلم ( من الذين هادوا ) هم اليهود ( حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) هي التي في قوله تعالى: { حرمنا كل ذي ظفر } الآية ( وبصدهم ) الناس ( عن سبيل الله ) دينه صدا ( كثيرا )
161. ( وأخذهم الربا وقد نهوا عنه ) في التوراة ( وأكلهم أموال الناس بالباطل ) بالرشا في الحكم ( وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما ) مؤلما
162. ( لكن الراسخون ) الثابتون ( في العلم منهم ) كعبد الله بن سلام ( والمؤمنون ) المهاجرون والأنصار ( يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) من الكتب ( والمقيمين الصلاة ) نصب على المدح وقرئ بالرفع ( والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم ) بالنون والياء ( أجرا عظيما ) هو الجنة
163. ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ) وكما ( وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ) ابنيه ( ويعقوب ) ابن إسحاق ( والأسباط ) أولاده ( وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا ) أباه ( داود زَبورا ) بالفتح اسم للكتاب المؤتى ، وبالضم مصدر بمعنى مزبورا أي مكتوبا
164. وأرسلنا ( ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك ) روي أنه تعالى بعث ثمانية آلاف نبي أربعة آلاف من إسرائيل وأربعة آلاف من سائر الناس قاله الشيخ في سورة غافر ( وكلم الله موسى ) بلا واسطة ( تكليما )
165. ( رسلا ) بدل من رسلا قبله ( مبشرين ) بالثواب من آمن ( ومنذرين ) بالعقاب من كفر أرسلناهم ( لئلا يكون للناس على الله حجة ) تقال ( بعد ) إرسال ( الرسل ) إليهم فيقولوا: { ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين } فبعثناهم لقطع عذرهم ( وكان الله عزيزا ) في ملكه ( حكيما ) في صنعه
166. ونزل لما سئل اليهود عن نبوته صلى الله عليه وسلم فأنكروه ( لكن الله يشهد ) يبين نبوتك ( بما أنزل إليك ) من القرآن المعجز ( أنزله ) ملتبسا ( بعلمه ) أي عالما به أو وفيه علمه ( والملائكة يشهدون ) لك أيضا ( وكفى بالله شهيدا ) على ذلك
167. ( إن الذين كفروا ) بالله ( وصدوا ) الناس ( عن سبيل الله ) دين الإسلام بكتمهم نعت محمد صلى الله عليه وسلم وهم اليهود ( قد ضلوا ضلالا بعيدا ) عن الحق
168. ( إن الذين كفروا ) بالله ( وظلموا ) نبيه بكتمان نعته ( لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا ) من الطرق
169. ( إلا طريق جهنم ) أي الطريق المؤدي إليها ( خالدين ) مقدرين الخلود ( فيها ) إذا دخلوها ( أبدا وكان ذلك على الله يسيرا ) هنيا
170. ( يا أيها الناس ) أي أهل مكة ( قد جاءكم الرسول ) محمد صلى الله عليه وسلم ( بالحق من ربكم فآمنوا ) به واقصدوا ( خيرا لكم ) مما أنتم فيه ( وإن تكفروا ) به ( فإن لله ما في السماوات والأرض ) ملكا وخلقا وعبيدا فلا يضره كفركم ( وكان الله عليما ) بخلقه ( حكيما ) في صنعه بهم
171. ( يا أهل الكتاب ) الإنجيل ( لا تغلوا ) تتجاوزوا الحد ( في دينكم ولا تقولوا على الله إلا ) القول ( الحق ) من تنزيهه عن الشريك والولد ( إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها ) أوصلها الله ( إلى مريم وروحٍ ) أي ذو روح ( منه ) أضيف إليه تعالى تشريفا له وليس كما زعمتم ابن الله أو إلها معه أو ثالث ثلاثة لأن ذا الروح مركب والإله منزه عن التركيب وعن نسبة المركب إليه ( فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ) الآلهة ( ثلاثة ) الله وعيسى وأمه ( انتهوا ) عن ذلك وأتوا ( خيرا لكم ) منه وهو التوحيد ( إنما الله إله واحد سبحانه ) تنزيها له عن ( أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض ) خلقا وملكا وعبيدا والملكية تنافي النبوة ( وكفى بالله وكيلا ) شهيدا على ذلك
172. ( لن يستنكف ) يتكبر ويأنف ( المسيح ) الذي زعمتم أنه إله عن ( أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ) عند الله لا يستنكفون أن يكونوا عبيدا وهذا من أحسن الاستطراد ذكر للرد على من زعم أنها آلهة أو بنات الله كما رد بما قبله على النصارى الزاعمين ذلك المقصود خطابهم ( ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا ) في الآخرة
173. ( فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ) ثواب أعمالهم ( ويزيدهم من فضله ) ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ( وأما الذين استنكفوا واستكبروا ) عن عبادته ( فيعذبهم عذابا أليما ) مؤلما هو عذاب النار ( ولا يجدون لهم من دون الله ) أي غيره ( وليا ) يدفعه عنهم ( ولا نصيرا ) يمنعهم منه
174. ( يا أيها الناس قد جاءكم برهان ) حجة ( من ربكم ) عليكم وهو النبي صلى الله عليه وسلم ( وأنزلنا إليكم نورا مبينا ) بينا وهو القرآن
175. ( فأما الذين آمنوا ) بالقرآن ( بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا ) طريقا ( مستقيما ) هو دين الإسلام
176. ( يستفتونك ) في الكلالة ( قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ ) مرفوع بفعل يفسره ( هلك ) مات ( ليس له ولد ) أي ولا والد وهو الكلالة ( وله أخت ) من أبوين أو أب ( فلها نصف ما ترك وهو ) أي الأخ كذلك ( يرثها ) جميع ما تركت ( إن لم يكن لها ولد ) فإن كان لها ولد ذكر فلا شيء له أو أنثى فله ما فضل من نصيبها ولو كانت الأخت أو الأخ من أم ففرضه السدس كما تقدم أول السورة ( فإن كانتا ) أي الأختان ( اثنتين ) أي فصاعدا لأنها نزلت في جابر وقد مات عن أخوات ( فلهما الثلثان مما ترك ) الأخ ( وإن كانوا ) أي الورثة ( إخوة رجالا ونساء فللذكر ) منهم ( مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم ) شرائع دينكم لـ ( أن ) لا ( تضلوا والله بكل شيء عليم ) ومنه الميراث ، روى الشيخان عن البراء أنها آخر آية نزلت أي من الفرائض
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
تفاسيرالقرآن متعدد لسوره كاملا
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة
صفحة 1 من اصل 9انتقل الى الصفحة : 1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات أحلامي الجميلة :: المنتديات العامة :: المنتدى القراني-